غزة _ سعدية عبيد : لا يقاس أثر الحروب بعدد الضحايا والبيوت المدمرة فقط، فهناك خسائر أخرى لا تظهر في صور الركام ولا تحصى في التقارير الرسمية؛ خسائر تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية وتمزق الروابط الأسرية وتحرم الأطفال من حقهم الطبيعي في العيش بين والديهم. وفي قطاع غزة، تحولت المعابر المغلقة والحرب المستمرة إلى حاجز يفصل مئات العائلات عن بعضها البعض، ويجعل لم الشمل حلما مؤجلا منذ سنوات.
في أحد الخيام التي تأوي نازحين في خانيونس ، تجلس أم محمد وهي تحيط أحفادها بذراعيها، محاولة أن تعوضهم عن غياب والدهم الذي لم يروه منذ سنوات. تروي قصة ابنتها التي كانت تقيم مع زوجها في قطر قبل أن تتحول زيارة عائلية قصيرة إلى رحلة انتظار طويلة لم تكن في الحسبان.
تقول الجدة إن ابنتها سافرت قبل سنوات إلى قطر واستقرت هناك مع زوجها، وأنجبت أطفالها الثلاثة الذين ولدوا وترعرعوا في الخارج. وعندما جاءت إلى غزة في زيارة عائلية، كانت تتوقع أن تعود خلال فترة قصيرة لاستكمال حياتها مع زوجها، إلا أن تعقيدات السفر وإجراءات لم الشمل، ثم اندلاع الحرب وإغلاق المعابر، حولت الزيارة المؤقتة إلى إقامة قسرية امتدت لسنوات.
وتضيف: "كانت بنتي جاية زيارة، وما كان عندها أي تصور إنها تظل هون كل هالسنين. كانت حياتها هناك، وبيتها هناك، وأولادها كانوا عايشين مع أبوهم. فجأة صاروا محاصرين داخل غزة، وكل يوم يمر وهم بعيدين عن والدهم".
لم يكن الفراق مجرد مسافة جغرافية تفصل الأب عن أطفاله، بل تحول إلى عبء نفسي يرافق العائلة في كل تفاصيل حياتها. فالأطفال الذين كانوا ينتظرون العودة إلى حياتهم الطبيعية وجدوا أنفسهم وسط حرب مفتوحة، ونزوح متكرر، وأصوات قصف وانفجارات لا تهدأ.
وتشير الجدة إلى أن أحد الأطفال يعاني من سوء تغذية نتيجة الظروف الإنسانية الصعبة، فيما يعاني أشقاؤه من آثار نفسية متراكمة بسبب الخوف المستمر والحرمان من الاستقرار الأسري. وتقول: "الأطفال صاروا يخافوا من كل شيء. من صوت الطيارة، من إطلاق النار، من الليل نفسه. حتى النوم صار صعب عليهم".
أما الطفل الأصغر أحمد ، فلا يخفي اشتياقه لعائلته البعيدة، ويقول بكلمات بسيطة تختصر سنوات من الغياب: "نفسي أشوف أبوي. نفسي أشوف جدي وعمامي. أنا بخاف هون، ولما أنام بخاف من أصوات الصواريخ والطيران".
ورغم صغر سنه، يحمل الطفل مشاعر ثقيلة تفوق عمره بكثير؛ فهو لا يفهم تعقيدات السياسة ولا أسباب إغلاق المعابر، لكنه يفهم جيدا معنى أن يكبر بعيدا عن والده، وأن ينتظر مكالمة هاتفية أو صورة ليشعر بقرب من يحبهم.
وتؤكد أم محمد أن قصة ابنتها ليست الوحيدة، فهناك عشرات النساء العالقات داخل قطاع غزة ممن فرقتهن الحرب والقيود المفروضة على السفر عن أزواجهن وأطفالهن وعائلاتهن في الخارج. بعضهن ينتظرن منذ سنوات استكمال إجراءات السفر، وأخريات وجدن أنفسهن محاصرات داخل القطاع بعد أن أغلقت الحرب كل المنافذ أمامهن.
وتضيف: "في أمهات محرومات من أولادهن، وفي أطفال محرومين من آبائهم، وفي عائلات كاملة تفرقت بين الدول والمعابر المغلقة. كل يوم بيمر علينا وإحنا بنشوف أعمار الناس وهي بتضيع في الانتظار".
ومع تفاقم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، تتزايد معاناة العائلات العالقة التي تجد نفسها بين واقع الحرب من جهة، واستحالة السفر ولم الشمل من جهة أخرى. فبينما تتواصل النداءات والمناشدات للجهات المعنية والمؤسسات الدولية من أجل إيجاد حلول إنسانية عاجلة، تبقى مئات الأسر رهينة قرارات لا تملك التأثير عليها.
وفي الوقت الذي يحلم فيه أطفال العالم بمستقبل أفضل، يكتفي أطفال العائلات العالقة في غزة بحلم أكثر بساطة؛ أن يستيقظوا يومًا ويجدوا أنفسهم في حضن آبائهم، بعيدا عن أصوات الحرب والخوف والانتظار.
فخلف كل معبر مغلق قصة عائلة مفرقة ، وخلف كل طلب سفر مؤجل سنوات من الشوق والقلق والحرمان. وبينما تستمر الحرب في رسم ملامح المأساة الفلسطينية، تبقى معاناة العائلات العالقة واحدة من أكثر فصولها قسوة؛ مأساة لا تتعلق بفقدان منزل أو مصدر رزق فحسب، بل بفقدان الحق في الاجتماع بالأحبة، والعيش داخل أسرة واحدة. ومع مرور السنوات، لا تزال هذه العائلات تتمسك بأمل وحيد: أن تنتهي رحلة الانتظار الطويلة، وأن تعود كل عائلة إلى حياتها التي توقفت عند بوابة معبر مغلق.