تلّ: كيف تحوّل هجوم المستوطنين على منزل فلسطيني إلى ذريعة لحصار الضفة؟

2026-07-26
الرابعة نيوز_خاص معا- على بعد نحو 2.5 إلى 3 كيلومترات، وفق القياس الجغرافي المباشر، من بؤرة "حفات جلعاد" الاستيطانية، تقع بلدة تل جنوب غربي نابلس. ليست البلدة ملاصقة للبؤرة، ولا تقع على شارع استيطاني رئيسي، بل تفصلها عنها أراضٍ مفتوحة وامتداد ريفي. وعلى مدخلها الجنوبي يقف حاجز عسكري دائم يعرفه الأهالي باسم "حاجز المربعة".

لهذا يطرح أهالي تل سؤالاً مركزياً بشأن أحداث 24 تموز: كيف وصلت مجموعة كبيرة من المستوطنين المسلحين إلى أطراف البلدة وتحركت في محيط منازلها، في منطقة تحيط بها نقاط عسكرية وطرق خاضعة للمراقبة الإسرائيلية، قبل أن تتحول الحادثة إلى عملية عسكرية واسعة ضد السكان الفلسطينيين؟.

أسفرت الأحداث عن استشهاد أربعة من أبناء عائلة واحدة: فاروق عدنان علي صيفي، وعمران أحمد علي صيفي، والشقيقين إبراهيم حسين علي صيفي وجواد حسين علي صيفي.


وأكدت مصادر طبية وإعلامية أن عدداً من المصابين نُقلوا إلى المستشفى، قبل أن تقتحم قوات الاحتلال مستشفى نابلس التخصصي وتعتقل مصاباً ومرافقه، بحسب روايات طبية ومحلية.

رواية من داخل البلدة

وفق رواية أهل البلدة، دخل عشرات المستوطنين إلى أطراف تل، وكان بعضهم يحمل أسلحة، بينها بنادق هجومية. ولا يمكن الجزم من التسجيلات المتاحة بمصدر كل قطعة سلاح، لكن الواقعة تأتي في سياق توسع كبير في تسليح المدنيين الإسرائيليين؛ إذ وثقت منظمة العفو الدولية إصدار أكثر من 240 ألف رخصة سلاح بحلول مطلع 2026، في إطار سياسة ارتبطت بوزارة الأمن القومي بقيادة إيتمار بن غفير.


ويقول الأهالي إن المجموعة حاولت مهاجمة منزلين في طرف البلدة يعودان لعائلة صيفي، فتدخل أصحاب المنزلين وأقاربهم، وبينهم فاروق صيفي وأبناء إخوته، واندلع اشتباك بالأيدي. ثم حضرت قوة من جيش الاحتلال كانت، بحسب روايتهم، قريبة من المكان، وطلبت من الفلسطينيين الابتعاد.

ويضيف شهود من العائلة أن بعض الفلسطينيين بدأوا بالانسحاب، على أمل أن يتولى الجيش إبعاد المستوطنين وإنهاء الاعتداء من دون مزيد من الخسائر. لكن الاعتداء، وفق الرواية ذاتها، لم يتوقف؛ إذ استمر مستوطنون إسرائيليون في الاعتداء على أحد أبناء العائلة، فعاد فاروق صيفي إلى المكان في محاولة لتخليصه منهم، قبل أن يقع إطلاق نار في مكان الاشتباك.

ما الذي تظهره الفيديوهات؟

تكتسب المقاطع المصورة أهمية خاصة لأن أهالي البلدة يقولون إن التسجيلات المنشورة التقطها المستوطنون أو جاءت من جهتهم، لا من كاميرات فلسطينية. وهي، مع ذلك، لا تقدم دليلاً كاملاً بمفردها، إذ يلزم فحص نسخها الأصلية وتوقيتها وتسلسلها قبل التعامل معها كحكم نهائي.

لكن ما يظهر من المقاطع يتعارض مع الصورة الرسمية التي تبدأ من لحظة إطلاق النار وتتجاهل ما سبقها. فخلال التدافع، انتقلت بندقية من أحد الإسرائيليين المسلحين إلى يد فاروق صيفي، وسقط حاملها أرضاً وسط صراخ مسموع في التسجيل: «سحب السلاح». ولا يحسم الفيديو وحده تسلسل الطلقات ولا هوية مطلقيها، إلا أنه يثبت أن إطلاق النار جاء بعد اشتباك مباشر بين سكان البلدة ومجموعة إسرائيلية مسلحة، لا في فراغ أو في سياق هجوم منفصل عن وقائع ذلك الاشتباك.

يزيد تقرير مصور بثته "العربية" من تعقيد الرواية الإسرائيلية، إذ تظهر مشاهده وجود جنود إسرائيليين مسلحين داخل مسرح المواجهة، في وقت كان فيه مستوطنون وفلسطينيون متداخلين في مساحة محدودة. ولا يحسم التسجيل، من الناحية الفنية، مصدر كل طلقة أو هوية من أصابتهم؛ فلا يمكن الجزم من الفيديو وحده بأن الجيش هو من أصاب الإسرائيليين أو الفلسطينيين.

لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً لا تجيب عنه الرواية الرسمية: هل أُجري فحص بالستي مستقل لكل المقذوفات والأسلحة المستخدمة، بما فيها أسلحة الجنود، أم جرى افتراض مصدر النيران قبل اكتمال التحقيق؟.

وتزداد أهمية هذا السؤال في سياق اشتباك متداخل شارك فيه مستوطنون مسلحون وسكان فلسطينيون وقوات عسكرية. وفي مثل هذه الوقائع، لا تكفي رواية الجيش عن مصدر إطلاق النار؛ بل يلزم نشر نتائج فحص الأسلحة، وتحديد مواقع الجنود، وفحص تسجيلات الاتصال العسكرية، ومطابقة المقذوفات مع كل الأسلحة الموجودة في المكان. إن عدم الكشف عن هذه الأدلة يبقي احتمال إصابة أكثر من طرف بنيران الجيش قائماً، ويجعل تحويل الحادثة فوراً إلى "عملية إرهابية" حكماً سياسياً سابقاً على التحقيق.

إن جوهر المسألة هنا ليس تمجيد المواجهة أو تجاوز التحقيق القانوني، بل ترتيب الأسئلة وفق تسلسلها الصحيح: من دخل إلى محيط البيوت؟ من كان مسلحاً؟ من بدأ الاعتداء؟ ولماذا لم تتجه القوة العسكرية إلى فصل المهاجمين عن السكان وحماية المدنيين؟

واكتسبت الرواية الفلسطينية دعماً لافتاً من تصريح موشيه يعالون، وزير الدفاع ورئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق، الذي رفض وصف ما حدث في تل بأنه "عملية إرهابية".

وقال إن الأمر يتعلق بـ"احتكاك أشعله إسرائيليون"، واعتبر الوصول المسلح إلى موقع في البلدة "إرهاباً يهودياً" يندرج، بحسب قوله، ضمن سياسة حكومية منهجية تشارك فيها شخصيات ووزراء بهدف دفع الفلسطينيين بعيداً عن أراضيهم.

حتى التقارير الدولية لم تثبت رواية إسرائيل وحدها. فقد نقلت "رويترز" عن مسؤولين فلسطينيين أن مستوطنين حاولوا اقتحام منزلين في تل، فيما قالت الرواية العسكرية إن مدنيين إسرائيليين تعرضوا لهجوم. كما قالت هيومن رايتس ووتش إن هجومين لمستوطنين على تل سبقا مقتل الفلسطينيين والإسرائيليين، وحذرت من أن عدم كبح الاعتداءات الاستيطانية والتصعيد العسكري ينذر بكارثة أوسع.

من حماية السكان إلى معاقبتهم

بدلاً من فتح تحقيق مستقل يبدأ من دخول المستوطنين إلى القرية، اتجهت الاستجابة الإسرائيلية إلى حصار تل ونابلس ثم الضفة بكاملها، واعتقال عشرات الفلسطينيين، ومداهمة البيوت، وملاحقة المصابين داخل المستشفى. كما طرح مسؤولون إسرائيليون إجراءات تشمل هدم منازل وسحب تصاريح وتكثيف العمل العسكري، بالتوازي مع دعوات إلى تسريع الاستيطان.

وهكذا تغيرت طبيعة القضية في الخطاب الرسمي الإسرائيلي: من واقعة تتطلب التحقيق في هجوم مجموعة مسلحة على منازل فلسطينية، إلى «عملية إرهابية» تستخدم لتبرير عقوبات تطال الضفة بأكملها والفلسطينيين جميعا.

هذه ليست مجرد مسألة لغة. فحين تتبنى الحكومة رواية طرف واحد قبل التحقيق، يصبح المعتدي المحتمل جزءاً من «البيئة الأمنية» التي تحظى بالحماية، بينما يتحول السكان الذين تعرضوا للهجوم إلى جماعة مشتبه بها. والنتيجة هي أن الفلسطيني يتلقى رسالة واضحة: حتى عندما يهاجمه مستوطنون مسلحون، فإن محاولة حماية البيت أو العائلة قد تضعه في مواجهة الرصاص والاعتقال والعقاب الجماعي.

ويأتي هذا التصعيد في ظل تزايد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، والتي شملت إحراق مساجد وممتلكات فلسطينية، وإغلاق طرق، والاعتداء على المنازل والمركبات، وسط حماية من قوات الاحتلال. وخلال النصف الأول من عام 2026، سُجل نحو 11,074 اعتداء، فيما وثّق شهر حزيران/يونيو وحده 6,856 انتهاكًا.

ويقطن في الضفة الغربية نحو 750 ألف مستوطن موزعين على 141 مستوطنة و224 بؤرة استيطانية، بينهم قرابة 250 ألفًا في المستوطنات المقامة شرق القدس، في ظل استمرار الاعتداءات اليومية التي تستهدف الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم.

تحذيرات إسرائيلية جرى تجاهلها

ما حدث في تل ليس مفاجأة حتى داخل إسرائيل. فقد حذر مسؤولون إسرائيليون سابقون، بينهم رؤساء حكومات وقادة جيش وأجهزة أمن وقضاة، من تصاعد ما وصفوه بـ"الإرهاب اليهودي" ومن دور الإفلات من العقاب في تغذيته. وفي حزيران الماضي، نُشرت رسالة وقعها عشرات المسؤولين والشخصيات الإسرائيلية السابقة تطالب حكومة نتنياهو بالتحرك ضد عنف المستوطنين، وتحدثت عن اعتداءات وعمليات حرق وقتل واستيلاء على الأراضي تقع في ظل عجز أو تواطؤ مؤسسات الدولة.

كما حذرت شخصيات من المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، بينها رئيس الحكومة الأسبق "إيهود باراك" ورئيس الشاباك الأسبق "عامي أيالون"، من أن العنف المنظم للمستوطنين لا يمثل فقط انتهاكاً لحقوق الفلسطينيين، بل يقود إلى انفجار أمني وسياسي لا يمكن ضبطه. فالمشكلة، في نظر هؤلاء، ليست «أعشاباً ضارة» منفصلة، بل منظومة عنف تستفيد من التسليح والحماية السياسية وضعف المحاسبة.

وتحدث "عامي أيالون" عن أحداث قرية "تل" انها جاءت في سياق "احتكاك أشعله إسرائيليون"،

ولم تعد التحذيرات من عنف المستوطنين مقتصرة على المنظمات الفلسطينية والإسرائيلية والدولية. فقد وصف رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إيهود أولمرت، في مقابلة مع موقع "واينت" العبري في شباط/فبراير 2026، ما يجري في الضفة الغربية بأنه "جهد متعمد وصريح للتطهير العرقي" ضد الفلسطينيين.

واتهم المستوطنين بتنفيذ اعتداءات يومية، وقال إن ذلك يجري في ظل غض طرف الشرطة، وتقاعس جهات في الجيش، وفشل الشاباك في استخدام ما يملك من أدوات. ودعا إلى تدخل دولي لوقف المعتدين والتحقيق مع من يمنحهم الغطاء.

وفي مقالة لاحقة نشرتها «هآرتس» باسمه في 18 حزيران، ذهب أولمرت أبعد، واعتبر أن إسرائيل تدير «حملة منظمة وممولة» للتطهير العرقي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، في سياق عنف المستوطنين في الضفة.

من تل إلى جناته: تجريم حتى الاحتجاج السلمي

لا تقتصر الرسالة الإسرائيلية على من يواجهون اعتداءات مسلحة. فبحسب مصادر محلية في بيت لحم، تعرض رئيس بلدية جناته، سامي داوود الزير، للاعتقال والتهديد في سياق دعوته إلى أداء صلاة الجمعة قرب خيمة استيطانية أقيمت على أراضي القرية. وقد أكدت وكالة وفا اعتقال الزير في 10 تموز بعد مداهمة منزله.

المغزى من الربط بين تل وجناته ليس مساواة الحالتين، بل إظهار نمط واحد: مواجهة هجوم المستوطنين، حتى عندما تكون مدنية وسلمية كالاحتجاج أو الصلاة، قد تُقابل بالملاحقة والاعتقال؛ فيما يبقى وجود البؤرة أو الخيمة أو المجموعة المسلحة على الأرض هو الأمر الذي يفرض وقائعه.

سؤال التحقيق الذي لا يجوز الهروب منه

ما حصل في تل لا يحتاج إلى مزيد من الروايات السياسية، بل إلى تحقيق مستقل وشفاف يبدأ من الوقائع الأساسية:

• من أين جاء هذا العدد من المستوطنين، ومن بينهم مسلحون؟

• كيف دخل هؤلاء المستوطنون المسلحون إلى أطراف البلدة، ولماذا؟

• لماذا لم تمنعهم الحواجز والقوات العسكرية المنتشرة في المنطقة؟

• ماذا حدث قبل انتقال السلاح إلى يد الفلسطيني؟

• ما تسلسل إطلاق النار الذي أدى إلى استشهاد أربعة من أبناء عائلة واحدة، ومقتل إسرائيليين اثنين، وإصابة آخرين؟

• ولماذا جرى الانتقال مباشرة إلى حصار القرية واعتقال مصابيها وسكانها، بدلاً من التحقيق مع كل من شارك في الاعتداء؟

التحقيق لا يعني اعتماد رواية فلسطينية أو إسرائيلية مسبقاً؛ بل يعني فحص الأدلة كاملة، وحماية التسجيلات، والاستماع إلى الشهود، ومحاسبة المتسببين، لا معاقبة الضحايا. لكن تجاهل السؤال الأول ــ من بدأ الهجوم ومن دخل إلى بيوت الناس مسلحاً ــ يحول التحقيق إلى غطاء لنتيجة سياسية جاهزة.

ما جرى في تل إنذار للضفة الغربية كلها. فكل اعتداء لا يُحاسب عليه المستوطنون، وكل فلسطيني يعاقب لأنه حاول حماية بيته، يدفع المنطقة خطوة إضافية نحو انفجار أكبر لا يخدم أمن أحد ولا يترك مجالاً لعدالة أو استقرار.



وقت آخر تعديل: 2026-07-26 12:12:13