الرابعة نيوز_ "بعد ساعتين ستلحق بأخيك الشهيد"... كانت تلك الكلمات أول ما سمعه محمد حسن دبور من أحد الأطباء بعد وصوله مصابًا برصاص متفجر عيار 250 في الوجه إلى المستشفى.
كانت إصاباته بالغة إلى درجة أن الطبيب لم يكن يتوقع نجاته. لكن الساعات مضت، وبقي محمد على قيد الحياة... إلا أن الحياة التي عرفها قبل ذلك اليوم انتهت.
لم يذهب محمد وإخوته إلى مركز توزيع المساعدات بحثًا عن الرزق، بل هربًا من الجوع. في الأيام الأخيرة من المجاعة، ومع الغلاء غير المسبوق، لم تعد الأسرة المكونة من ثلاثة عشر فردًا قادرة على توفير الطحين أو الأرز أو أبسط مقومات الحياة، رغم العمل المتواصل.
يقول محمد بحزن مثقل لـ "معا" إنهم توجهوا، للمرة الأولى، إلى مركز توزيع المساعدات، وما إن اقتربوا من نقطة التوزيع حتى وجدوا أنفسهم وسط إطلاق نار كثيف. خلال لحظات، أصيب محمد بطلقة متفجرة في الوجه، بينما أصيب شقيقه موسى إصابة خطيرة في عينه اليسرى، أما شقيقهما حسين فأصيب في بطنه واستشهد.
نجا محمد من الموت، لكنه فقد بصره كاملا في كلتا عينيه، وتعرض لكسور في الأنف والفك، وأصبح التنفس وتناول الطعام مهمة مؤلمة لا يستطيع إنجازها إلا بصعوبة، مع صداع دائم وآلام لا تفارقه.
أما شقيقه موسى، الذي كان يعمل نجارًا ومنجدًا للأثاث قبل الحرب، فأصيب في عينه اليسري، وما زالت شظايا مستقرة في رأسه تمنعه من النوم. يقول إن ابنتيه الصغيرتين تسألانه باستمرار: "وين عينك يا بابا؟"، فيحاول أن يجيب بما يخفي وجعه ولا يخففه.
ويؤكد الشقيقان أن الأطباء أخبروهما بأن شبكية العين ما زالت سليمة، وأن استعادة البصر ممكنة عبر زراعة قرنيات في الخارج، لكن العلاج غير متوفر داخل قطاع غزة.
ومنذ أكثر من عام، يحتفظان بتحويلات طبية لم تُترجم إلى فرصة للعلاج. لم يتلقيا، كما يقولان، أي اتصال من الجهات المختصة أو المؤسسات الدولية، بينما تتفاقم حالتهما الصحية يومًا بعد يوم، ويواصلان شراء الأدوية والمسكنات على نفقتهما، رغم شحها وارتفاع أسعارها.
قبل الحرب، كان محمد يدير محلًا لصيانة وبيع الدراجات الهوائية، ويعيل أسرته بكرامة، فيما كان موسى يعمل في النجارة. اليوم، لم يعد أي منهما قادرًا على العمل، وتحولت إصاباتهما إلى عبء يومي يحرمهما من إعالة أسرتيهما أو حتى الاعتماد على نفسيهما.