من قاعة المحاضرة إلى ساحة الفرح.. د. أحمد عودة يحوّل التخرج إلى درس في الحياة

2026-08-10
الرابعة نيوز - في مشهدٍ مختلف عن الصورة التقليدية للأستاذ الجامعي، خطف الدكتور أحمد عودة، المحاضر في جامعة النجاح الوطنية والمتخصص في أساليب الرياضيات، الأنظار خلال إحدى حفلات التخرج، بعدما ظهر بين الطلبة يشاركهم فرحتهم بعفوية لافتة، بعيدًا عن الرسميات والحواجز التي عادةً ما تفصل بين الأستاذ وطلابه.

المشهد لم يتوقف عند حدود قاعة أو ساحة الاحتفال، بل انتقل سريعًا إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وحظي بتفاعل واسع من الفلسطينيين، الذين وجد كثيرون منهم في تلك اللحظات مساحة بسيطة للفرح وسط واقع مثقل بالأزمات والضغوط اليومية.

هذه القصة كانت محور لقاء الدكتور أحمد عودة في برنامج «طلة صباح»، الذي يبث عبر راديو الرابعة وفضائية معا وشبكة معا الإذاعية، ويقدمه الإعلامي عادل غريب، في حوار حمل الكثير من التفاصيل الإنسانية حول علاقة الأستاذ الجامعي بطلابه، ومعنى أن يكون التعليم أبعد من الكتب والمحاضرات والامتحانات.

حين يصبح الأستاذ جزءًا من فرحة طلابه

خلال اللقاء، تحدث الإعلامي عادل غريب عن المشهد الذي لفت انتباهه، مشيرًا إلى أنه شاهد الدكتور عودة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهو يشارك الطلبة فرحتهم بطريقة عفوية، في وقت كان هو شخصيًا يشعر بشيء من الضيق والنكد بسبب ضغوط الحياة اليومية.

ويقول غريب إن المشهد دفعه إلى تغيير مزاجه، معتبرًا أن ما فعله الدكتور عودة نجح في نقل الفرح إلى الآخرين، وأن هذه العفوية وصلت إلى قلوب الناس.

أما الدكتور عودة، فيؤكد أن ما قام به لم يكن بحثًا عن الشهرة أو الترند، وإنما جاء انطلاقًا من قناعة شخصية بأن الفرح في مثل هذه المناسبات يستحق أن يُشارك، وأن حفل التخرج لحظة لا تتكرر في حياة الطالب أو الطالبة.

ويقول عودة إن همه الأساسي كان أن يضيف نوعًا من البهجة والسرور إلى لحظة التخرج، تلك اللحظة التي تبقى في ذاكرة الخريجين والخريجات وأولياء أمورهم سنوات طويلة.

فالتخرج، بالنسبة إليه، ليس مجرد مراسم أكاديمية تنتهي بانتهاء الحفل، وإنما تتويج لسنوات من التعب والانتظار والجهد، وفرحة لأهلٍ تحملوا الكثير حتى يروا أبناءهم يصلون إلى هذه اللحظة.

«السعادة كلما وزّعتها زادت»

ربما كانت الجملة الأبرز في حديث الدكتور أحمد عودة هي نظرته إلى السعادة باعتبارها شيئًا لا ينقص عندما نشاركه مع الآخرين، بل يزداد.

فهو يرى أن الإنسان يستطيع أن يبدأ بنفسه، وأن يمنح من حوله شيئًا من الراحة والابتسامة والطاقة الإيجابية، لتنتقل هذه الحالة من شخص إلى آخر.

ويصف عودة الأمر بأنه أشبه بـ «العدوى الإيجابية»؛ شخص يفرح، فينقل فرحته إلى من حوله، وهؤلاء بدورهم ينقلونها إلى آخرين.

وهذا ما حدث معه بالفعل، إذ لم يبقَ أثر مشاركته محصورًا في الطلبة الموجودين في الحفل، بل وصل إلى أهاليهم، وإلى أشخاص لا علاقة لهم بالجامعة أو بحفل التخرج، لكنهم وجدوا في المشهد دقائق من الفرح بعيدًا عن الأخبار والأزمات وضغوط الحياة.

سبع سنوات بعيدًا عن حفلات التخرج

مشاركة الدكتور عودة في الحفل حملت أيضًا دلالة خاصة؛ فهو لم يكن حاضرًا في حفلات التخرج طوال السنوات الماضية، بعدما ابتعد عنها خلال فترة كورونا والحرب، تقديرًا للظروف الصعبة التي عاشها الشعب الفلسطيني، وما رافقها من شهداء وجرحى وأزمات متلاحقة.

ويشير عودة إلى أنه كان يشارك في حفلات التخرج والفعاليات الجامعية منذ عام 2007، منذ سنواته الأولى في الجامعة، قبل أن يتوقف لفترة طويلة.

لذلك، جاءت عودته إلى أجواء التخرج هذه المرة محمّلة بالكثير من المشاعر، وكأنه أراد أن يعوّض سنوات غاب فيها الفرح الجماعي عن هذه المناسبات.

«كل هدول أبنائي وبناتي»

ومن أكثر المواقف التي تكشف طبيعة علاقة الدكتور عودة بطلابه، قصة رواها خلال اللقاء عن حديث دار بينه وبين رجل كبير في السن خلال إحدى حفلات التخرج.

سأله الرجل باستغراب عن مشاركته في الحفل، فأجابه عودة ببساطة:

«كل هدول أبنائي وبناتي».

الجملة تختصر فلسفة عودة في علاقته بالطلبة؛ فهو لا يرى نفسه مجرد محاضر يقدم مادة أكاديمية وينتهي دوره بانتهاء المحاضرة، وإنما يعتبر أن الطالب إنسان قبل أن يكون طالبًا، وأن الجامعة مساحة لبناء الشخصية والعلاقة والثقة، إلى جانب المعرفة.

ويرى أن الخوف أو الرهبة الزائدة بين الأستاذ والطالب لا تصنع بالضرورة تعليمًا أفضل، ولذلك يتعامل مع طلبته بطريقة أقرب إلى الصداقة والاحترام المتبادل، على أمل أن يصبح الطالب يومًا ما زميلًا له في الحياة المهنية والمجتمع.

الأستاذ الجامعي.. أكثر من مجرد محاضر

وفي حديثه عن دوره الأكاديمي، يؤكد عودة أن التعليم لا يعني تلقين المعلومات فقط.

فالمحاضر، من وجهة نظره، يحمل مسؤولية أوسع؛ أن يساعد في بناء الإنسان، وأن يمنح الطالب الثقة، وأن يترك أثرًا يتجاوز حدود المادة التي يدرسها.

ويقول إن من الصعب أن يتعامل الأستاذ مع طلبته وكأنهم عبء يريد التخلص منه، لأن هؤلاء الشباب هم مستقبل المجتمع، وهم أبناء عائلات دفعت سنوات من الجهد والمال والتعب حتى تصل بهم إلى لحظة التخرج.

ولهذا، فإن مشاركته في أفراحهم تأتي من إيمانه بأن من حقهم أن يعيشوا لحظة التخرج كاملة، وأن ينسوا ولو لبعض الوقت حجم التعب الذي سبقها.

فرحة الطالب.. فرحة الأهل أيضًا

لم يغفل الدكتور عودة عن أولياء الأمور، الذين يرى أنهم جزء أساسي من قصة التخرج.

فوراء كل طالب وخريج عائلة انتظرت هذه اللحظة، وأب وأم ربما لم يتمكنا من النزول إلى ساحة الاحتفال أو مشاركة أبنائهما فرحتهم كما يتمنيان.

ومن هنا، يقول عودة إنه شعر وكأنه يقوم بدور جزء من أولياء الأمور الموجودين، ويشارك أبناءهم تلك اللحظة.

فالمشهد بالنسبة إليه لم يكن مجرد مشاركة في حفلة، بل محاولة لأن يكون حاضرًا في مساحة الفرح التي يستحقها آلاف الطلبة وعائلاتهم.

«لا شيء ينتقص من هيبة الإنسان»

ومن الأفكار التي ركز عليها الحوار، مسألة العلاقة بين الهيبة والإنسانية.

فالدكتور عودة يرى أن مشاركة الأستاذ لطلابه في لحظة فرح لا تنتقص من مكانته، ولا تقلل من احترامه، ولا تلغي المسافة الأكاديمية المطلوبة.

على العكس، هو يرى أن هذه البساطة قد تزيد محبة الناس للإنسان، وتجعله أقرب إليهم، دون أن تفقده مكانته.

فالمحاضر يمكن أن يكون أكاديميًا جادًا داخل قاعة المحاضرة، وفي الوقت نفسه إنسانًا يضحك ويرقص ويشارك طلابه فرحتهم في حفل تخرج.

وهنا تحديدًا، تكمن الرسالة التي حملها المشهد؛ أن الإنسان ليس منصبًا فقط، وأن الأستاذ ليس لقبًا فقط، وأن العلاقة الإنسانية يمكن أن تكون جزءًا أصيلًا من العملية التعليمية.

الفرح في بلدٍ مثقل بالأزمات

ولعل انتشار المشهد بهذا الشكل يعكس حاجة الناس إلى لحظات من الفرح.

خلال الحوار، أشار الإعلامي عادل غريب إلى أن الفلسطينيين يعيشون منذ سنوات في ظروف صعبة؛ حواجز، أزمات، ضغوط اقتصادية، طرق، رواتب، وأخبار ثقيلة تتراكم يومًا بعد يوم.

وفي ظل كل ذلك، جاءت دقائق الفرح في حفل التخرج كأنها استراحة قصيرة من هذا الواقع.

مشهد بسيط، لكنه منح كثيرين فرصة للابتسام، وأعاد التذكير بأن الحياة، رغم صعوبتها، لا تخلو من لحظات تستحق الاحتفال.

وهنا يقول عودة، بشكل غير مباشر، إن الإنسان لا يستطيع أن يعيش على الحزن وحده، وإن منح الآخرين لحظة راحة أو ابتسامة قد يكون فعلًا إنسانيًا له أثر كبير.

«عدوى» من نوع مختلف

وفي وصفه لما حدث، استخدم عودة مفهوم العدوى الإيجابية؛ فالفرحة تنتقل، والابتسامة تنتقل، والطاقة الإيجابية تنتقل.

وقد يكون هذا تحديدًا ما جعل قصة الدكتور عودة تتجاوز الحفل نفسه.

فمن شاهد المشهد شعر بالفرح، ومن شاهد التفاعل أراد أن يعرف صاحب الصورة، ومن عرف قصته وجد فيها شيئًا من الأمل والبساطة.

حتى الإعلامي عادل غريب تحدث خلال اللقاء عن الأثر الشخصي الذي تركه المشهد عليه، مؤكدًا أن مزاجه تغير بعد مشاهدته، وأنه شعر بأن رسالة الدكتور عودة وصلت بالفعل.

من الرياضيات إلى التنمية البشرية

المفارقة الجميلة أن صاحب هذه الرسالة هو أستاذ متخصص في أساليب الرياضيات.

لكن عودة يرى أن المحاضر لا يمكن أن يختصر دوره في تخصصه الأكاديمي.

فالرياضيات التي يدرّسها قد تبني المعرفة، لكن التعامل الإنساني قد يبني الشخصية، والابتسامة قد تترك في الطالب أثرًا لا تنجح عشرات المحاضرات في تركه.

ومن هنا، تحولت مشاركته في الحفل إلى درس غير مباشر في التنمية البشرية والحياة؛ درس في التفاؤل، وفي البساطة، وفي القدرة على نشر الراحة بدلًا من نشر التوتر.

رسالة إلى الجامعات والمؤسسات

ولم تتوقف رسالة عودة عند طلبته، بل امتدت إلى المجتمع الأكاديمي بشكل عام.

فهو يتمنى أن تنتقل هذه الروح إلى الجامعات والمؤسسات المختلفة، وأن تصبح العلاقة بين الناس أكثر بساطة ومحبة، بعيدًا عن التعقيدات والحواجز غير الضرورية.

فالحياة، كما يرى، يمكن أن تكون أبسط وأجمل إذا تعامل الناس مع بعضهم بالابتسامة والاحترام والإنسانية.

وإذا كان بإمكان أستاذ جامعي أن ينزل من منصة المحاضرة إلى ساحة التخرج ليشارك طلابه فرحتهم، فربما يستطيع كل شخص أن يجد طريقته الخاصة في نشر القليل من الفرح في محيطه.

رسالة وصلت.. ومحبة عادت

وفي نهاية اللقاء، بدا واضحًا أن ما حدث لم يكن مجرد فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

فوراء المشهد كانت هناك رسالة وصلت إلى الناس: أن الفرح ممكن، وأن الإنسان قادر على أن يمنح غيره شيئًا جميلًا حتى في أصعب الظروف.

الدكتور أحمد عودة لم يقدم درسًا في الرياضيات هذه المرة، لكنه قدم درسًا آخر ربما لا يقل أهمية؛ درسًا في أن يكون الإنسان قريبًا من الناس، وأن يرى في طلابه أبناءً وبنات، وأن يؤمن بأن الابتسامة ليست ضعفًا، وأن المشاركة في الفرح لا تنتقص من الهيبة.

وفي حفل التخرج، حيث كان الخريجون يحتفلون بنهاية مرحلة وبداية أخرى، كان الدكتور أحمد عودة يحتفل بشيء أوسع:

يحتفل بالإنسان، وبالفرح، وبقدرة لحظة بسيطة على تغيير مزاج مجتمع كامل.

ومن هنا، ربما كان أجمل ما خرج به هذا الحوار في «طلة صباح» أن السعادة ليست امتلاكًا شخصيًا نحتفظ به لأنفسنا، بل طاقة يمكن أن نعطيها للآخرين.

فالسعادة، كما قال الدكتور أحمد عودة، كلما وزّعتها.. زادت.

وقت آخر تعديل: 2026-08-10 13:29:06