نبيل عمرو: الانتخابات أصبحت حتمية.. والمخرج الوحيد من أزمات النظام السياسي الفلسطيني

2026-08-16
الرابعة نيوز - في ظل مشهد فلسطيني داخلي شديد التعقيد، وأزمة سياسية ممتدة، وانقسام طال أمده، تعود الانتخابات التشريعية إلى واجهة النقاش باعتبارها أحد أبرز المخارج الممكنة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني واستعادة شرعية المؤسسات.

وفي قراءة سياسية شاملة للمشهد الفلسطيني، أكد الكاتب والمحلل السياسي وعضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، الدكتور نبيل عمرو، أن الانتخابات لم تعد ترفاً سياسياً أو ملفاً قابلاً للتأجيل المفتوح، بل أصبحت – من وجهة نظره – ضرورة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وترتيب العلاقة بين السلطة والمجتمع والمؤسسات.

وخلال استضافته في برنامج "طلة صباح" الذي يبث عبر راديو الرابعة وفضائية معا وشبكة معا الإذاعية ويقدمه الإعلامي عادل غريب، شدد عمرو على أن الانتخابات كانت على مدار سنوات جزءاً أساسياً من رؤيته للخروج من الأزمة الفلسطينية، مؤكداً أن غياب المجلس التشريعي المنتخب حرم الحياة السياسية الفلسطينية من أدوات مهمة للرقابة والمساءلة ومناقشة الموازنات والقوانين.

الانتخابات.. ليست حلاً سحرياً لكنها ضرورة

عمرو يرفض النظر إلى الانتخابات باعتبارها وصفة سحرية قادرة على إنهاء جميع الأزمات دفعة واحدة، لكنه يرى أنها خطوة لا يمكن الاستغناء عنها.

ويقول إن الانتخابات لن توقف الحواجز الإسرائيلية، ولن تعيد إعمار غزة بين ليلة وضحاها، ولن تحل الأزمة الاقتصادية بمجرد إعلان نتائجها، لكنها يمكن أن تشكل "انتخابات تحدٍّ"، أي ممارسة فلسطينية للحق الديمقراطي في ظل الاحتلال، لا انتظاراً لموافقة الاحتلال أو حصول الفلسطينيين على ظروف مثالية.

ويستند في ذلك إلى تجربة الانتخابات البلدية التي جرت في سبعينيات القرن الماضي، والتي رأى أنها شكلت آنذاك دفعة قوية للحالة الوطنية الفلسطينية.

ومن هنا، يطرح عمرو معادلة واضحة: الانتخابات لا يجب أن تكون رهينة للظروف، بل جزءاً من مواجهة الظروف.

"عندما يتبلور القرار.. يجب أن يتجند الجميع لإنجاحها"

وبشأن الجدل الفلسطيني حول الانتخابات، يرى عمرو أن الاختلاف في الرأي أمر طبيعي، لكن اللحظة التي يصدر فيها القرار بإجرائها يجب أن تنقل النقاش من مربع التأييد والمعارضة إلى مربع إنجاح العملية.

ويؤكد أن الفلسطينيين ناقشوا على مدى سنوات قانون الانتخابات وتعديلاته وتركيبة المجلس التشريعي وعلاقة التشريع بالمشروع الوطني، وبالتالي فإن الأولوية – بحسب رؤيته – يجب أن تكون لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وإيصال ممثلي الشعب الفلسطيني إلى مركز صناعة القرار.

كما يرى أن الاستعانة بالدعم الدولي لإنجاح العملية الانتخابية لا تشكل عيباً، في ظل حاجة الفلسطينيين إلى الدعم الدولي في مختلف الملفات.

الانتخابات أصبحت حتمية؟

يذهب عمرو إلى أبعد من الدعوة إلى الانتخابات، مؤكداً أنه يرى أن الذهاب إليها أصبح حتمياً، مستنداً إلى مؤشرات من بينها الإقبال على تجديد السجل الانتخابي.

ويعتبر أن المواطن الذي يجدد تسجيله لا يفعل ذلك للحصول على منفعة مالية، وإنما لأنه يريد ممارسة حقه في الانتخاب، معتبراً أن هذا السلوك الشعبي يمثل مؤشراً مهماً على أن المجتمع الفلسطيني يتجه نحو الانتخابات.

ويحذر في الوقت ذاته من العودة إلى سياسة الذرائع والتأجيل، معتبراً أن الانتخابات يمكن أن تكون المخرج الأساسي من أزمات السلطة والنظام السياسي الفلسطيني.

بين الأزمة المعيشية وغياب التشريعي

لكن ماذا يمكن للانتخابات أن تقدم لمواطن يواجه أزمة اقتصادية ومعيشية، ويصطدم يومياً بالحواجز والقيود؟

هنا يقر عمرو بأن الأولويات المعيشية للمواطن الفلسطيني لا يمكن تجاهلها، مشيراً إلى أسئلة مباشرة تتعلق بالرواتب، وموازنات البلديات، والوصول إلى أماكن العمل، ومواجهة الحواجز الإسرائيلية.

لكنه يرفض وضع هذه الملفات في مواجهة الانتخابات، مؤكداً أن الفلسطينيين بحاجة إلى القيام بكل شيء في الوقت نفسه: مقاومة الاحتلال، ومواجهة الحواجز والاستيطان، وبناء المؤسسات، وتحسين الخدمات، وإجراء الانتخابات.

فالانتخابات، بحسب رؤيته، ليست بديلاً عن معالجة الواقع المعيشي، كما أن معالجة الواقع المعيشي لا ينبغي أن تكون ذريعة لتعطيل إعادة بناء النظام السياسي.

هل تستطيع الانتخابات إعادة الوحدة بين الضفة وغزة؟

من أبرز الرهانات التي يضعها عمرو أمام الانتخابات إمكانية استخدامها كأداة لإعادة ترتيب العلاقة بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

فبعد سنوات طويلة من الحوارات والاتفاقات واللقاءات التي لم تنجح في إنهاء الانقسام، يرى أن إجراء انتخابات واحدة في الضفة وغزة يمكن أن يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن الوطن واحد، وأن صندوق الاقتراع يمكن أن يكون مدخلاً لإعادة بناء الوحدة على أساس الشرعية الشعبية.

ويؤكد في الوقت ذاته أن الانتخابات لا تستطيع وحدها إنهاء الانقسام أو الاحتلال، لكنها يمكن أن تكون العمود الفقري لإعادة ترتيب الوضع الداخلي.

ويختصر رؤيته بالقول إن الانتخابات يجب أن تكون جزءاً من منظومة وطنية شاملة، لا بديلاً عنها.

"إذا كانت الانتخابات بديلاً عن كل شيء فلا نريدها"

ويشدد عمرو على أن الانتخابات ليست بديلاً عن المقاومة السلمية أو أي مسار وطني آخر، بل جزء من منظومة العمل الوطني الفلسطيني.

ويرى أن عناصر القوة الفلسطينية لا تتوقف عند السياسة وحدها، بل تشمل وجود الشعب على أرضه، والجامعات والمؤسسات والحياة العامة، معتبراً أن تجميع هذه العناصر ضمن منظومة واحدة يمكن أن ينتج قوة سياسية حقيقية.

ويضع قاعدة واضحة: إذا كانت الانتخابات بديلاً عن كل شيء فلا نريدها، أما إذا كانت مكملة لأشياء كثيرة فهي ضرورة.

"القضية الفلسطينية ليست ميؤوساً منها"

وفي تقييمه للحالة الفلسطينية، يرفض عمرو وصف المشهد بأنه ميؤوس منه، معتبراً أن استمرار القضية الفلسطينية بحد ذاته يؤكد أن كل محاولات فرض واقع نهائي لم تنجح.

ويعتقد أن الانتخابات المقبلة ستكون مختلفة عن سابقاتها، خصوصاً في ظل تداخل عوامل سياسية وفصائلية ومناطقية وعائلية وقطاعية، وهو ما يجعل التنبؤ بالنتائج أمراً بالغ الصعوبة.

وبحكم مشاركته السابقة في الانتخابات كمرشح، يقول عمرو إنه يدرك حجم المؤثرات التي يمكن أن تتحكم في سلوك الناخب الفلسطيني وشكل القوائم والنتائج.

أربعون قائمة؟ المشهد الانتخابي قد يكون مختلفاً بالكامل

ولا يستبعد عمرو أن يشهد المجلس التشريعي المقبل تعدداً واسعاً في القوائم، يصل – بحسب تقديره – إلى نحو أربعين قائمة.

ولا يتوقف الأمر عند القوائم الحزبية التقليدية، إذ يتوقع ظهور قوائم ذات مرجعيات عشائرية أو مناطقية أو قطاعية، إلى جانب احتمال ظهور قوائم لرجال الأعمال والصحفيين والمتقاعدين وغيرهم.

وهذا التعدد، برأيه، يعني أن الانتخابات المقبلة قد تنتج مشهداً سياسياً مختلفاً بصورة كبيرة عن التجارب السابقة.

فتح أمام اختبار مختلف

أما حركة فتح، فيرى عمرو أنها ستبقى قوة مركزية في الانتخابات، لكنه لا يستبعد دخولها عبر أكثر من قائمة.

ويربط ذلك بالتجارب السابقة والانتخابات المحلية، حيث رفع مرشحون شعار فتح من دون أن يكونوا بالضرورة حاصلين على اعتماد رسمي من الحركة.

ويرى أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى برلمان لا تملك فيه قوة واحدة القدرة على تشكيل الحكومة بمفردها، ما يفتح الباب أمام الائتلافات البرلمانية وتشكيل حكومة قائمة على تحالفات متعددة.

"قد نكون أمام برلمان حقيقي"

ويرى عمرو أن هذا التعدد قد يكون صحياً من الناحية السياسية، لأنه قد يقود إلى مجلس تشريعي أكثر استقلالية وتنوعاً.

وبحسب قراءته، فإن المرحلة المقبلة قد تكون مختلفة عن المرحلة التي كان فيها نواب فتح يتحركون بصورة أكثر ارتباطاً بالقيادة السياسية.

أما النواب الذين سيصلون عبر انتخابات حرة ونزيهة، فيعتقد أنهم سيكونون الأكثر شرعية بين الفلسطينيين بحكم وصولهم إلى المجلس من خلال صندوق الاقتراع.

حماس.. مشاركة متوقعة وقراءة غير محسومة

وفيما يتعلق بمشاركة حركة حماس، يتحفظ عمرو عن تقديم توقعات قطعية، مؤكداً أن المعلومات المتوفرة لا تسمح له بالجزم بشكل القوائم أو التحالفات التي قد تتشكل.

ويشدد على ضرورة أن تصدر المواقف المتعلقة بحماس عن جهات رسمية داخل الحركة، رافضاً الحديث باسمها أو الادعاء بمعرفة تفاصيل قراراتها الداخلية.

لكنه، في المقابل، يتوقع أن تدخل حماس الانتخابات بقوة، ويرى أنها قد تعتبرها مخرجاً فلسطينياً متاحاً لها في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل التحولات التي طرأت على موقعها ودورها في قطاع غزة.

ماذا عن غزة؟ الانتخابات أمام اختبار سياسي ودولي

ويبقى السؤال الأصعب: هل يمكن إجراء الانتخابات في قطاع غزة في ظل الترتيبات السياسية والأمنية المستقبلية؟

عمرو يرى أن المسألة لا يمكن حسمها بمجرد التصريحات، وإنما تحتاج إلى تفاوض سياسي مباشر، مشيراً إلى ضرورة أن تدخل السلطة الفلسطينية في حوار مباشر مع الجانب الأميركي، معتبراً أن التعامل مع الولايات المتحدة يجب ألا يقوم فقط على منطق الخصومة، بل يمكن أن يشمل التفاوض لتحقيق المصالح الفلسطينية.


المشهد الذي يرسمه الدكتور نبيل عمرو لا يقدم الانتخابات باعتبارها نهاية الأزمة الفلسطينية، بل باعتبارها بداية لإعادة بناء النظام السياسي من الداخل.

فالفلسطينيون، وفق هذه الرؤية، لا يملكون ترف انتظار اللحظة المثالية؛ لأن اللحظة المثالية قد لا تأتي في ظل الاحتلال والانقسام والأزمات الاقتصادية والسياسية المتراكمة.

المطلوب، كما يقول عمرو، ليس اختيار معركة واحدة وترك باقي المعارك، وإنما خوضها جميعاً: مواجهة الاحتلال، حماية المجتمع، معالجة الأزمات المعيشية، بناء المؤسسات، واستعادة الشرعية الشعبية عبر انتخابات حرة ونزيهة.

وبينما يبقى شكل القوائم والتحالفات ونتائج الانتخابات مفتوحاً على احتمالات كثيرة، فإن السؤال الأهم لم يعد فقط: من سيفوز في الانتخابات؟
بل أصبح: هل تستطيع الانتخابات أن تعيد للفلسطينيين القدرة على صناعة قرارهم السياسي من جديد؟

وهنا تكمن أهمية الاستحقاق المقبل؛ فصندوق الاقتراع، في الرؤية التي طرحها نبيل عمرو، ليس مجرد محطة انتخابية، بل اختبار لقدرة النظام السياسي الفلسطيني على تجديد نفسه، واستعادة ثقة المواطن، وإعادة ترتيب البيت الداخلي في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ القضية الفلسطينية.

فإذا كانت الانتخابات ستأتي، فالتحدي الحقيقي ليس الوصول إلى يوم الاقتراع فقط، وإنما ماذا سيفعل الفلسطينيون بالشرعية التي يمنحها لهم صندوق الاقتراع؟
وهذا تحديداً هو السؤال الذي سيبقى مفتوحاً على مستقبل السياسة الفلسطينية كلها.

وقت آخر تعديل: 2026-08-16 12:12:42