حين تغيب المعايير… من يحدد مستحقي المساعدات الإنسانية؟

2026-08-17
الرابعة نيوز_تحقيق نغم كراجة- كشف تقرير معمق كيف أدى تعدد قواعد البيانات وغياب مرجعية موحدة إلى تفاوت فرص الوصول إلى المساعدات في قطاع غزة، وسط مطالب بتعزيز الشفافية والمساءلة وآليات التظلم.

في قطاع غزة، لم تعد المساعدات الإنسانية مجرد دعم مؤقت، بل أصبحت شريان الحياة الأساسي لآلاف الأسر التي فقدت مصادر دخلها في ظل الحرب والنزوح، ومع اعتماد 90%؜ من السكان على هذه المساعدات لتأمين احتياجاتهم اليومية، تتزايد الأسئلة حول آليات إعداد قوائم المستفيدين، والمعايير التي تحدد من يحصل على الدعم ومن يبقى خارج دائرة الاستفادة.


وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى وجود نحو مليوني نازح في قطاع غزة، فيما يواجه نحو 1.6 مليون شخص، أي 77% من السكان المشمولين بالتحليل، مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC). ويجعل هذا الواقع أي خلل في آليات استهداف المساعدات وتوزيعها قضية تمس احتياجات الأسر الأساسية وقدرتها على البقاء.

ورغم تعدد الجهات الإنسانية العاملة في القطاع، تتكرر شكاوى المواطنين من تفاوت فرص الوصول إلى المساعدات، وغياب تفسير واضح لحالات الاستبعاد أو التأخير، وسط اختلاف قواعد البيانات وآليات التسجيل بين المؤسسات.

أسماء تختفي من القوائم… وأسر تبحث عن تفسير

في خيمة مهترئة غرب مدينة غزة، تحاول رجاء راضي (38 عامًا)، الأرملة وأم لسبعة أبناء، تدبير احتياجات أسرتها منذ وفاة زوجها منتصف عام 2025، بعدما أصبحت المعيل الوحيد لها.

نزحت رجاء من حي الشجاعية شرق مدينة غزة إلى غربها، وتعتمد على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجات أطفالها، لكنها تقول إن الدعم انقطع عنها منذ أشهر رغم استمرارها في تحديث بياناتها العائلية.

وتروي: "كنت أذهب إلى نقاط التسجيل كلما طُلب منا تحديث البيانات، ودفعت رسوم التسجيل أكثر من مرة رغم أنني بالكاد أوفر ثمن الطعام والمواصلات، كنت أعتقد أن تحديث البيانات سيضمن حصولي على المساعدة لكن الأشهر تمر دون أن يصلني أي طرد".

وبينت أنها راجعت إحدى نقاط التوزيع للاستفسار عن سبب حرمانها، فكان الرد أن عليها تحديث بياناتها والانتظار، رغم أن أحد أقاربها يتلقى المساعدات بصورة منتظمة. وتقول: "لا أفهم ما هو المعيار، فأنا أرملة أعيل سبعة أطفال، وكل ما نسمعه هو: حدثي بياناتك وانتظري".

أما علي الملفوح (48 عامًا)، النازح من بيت لاهيا شمال قطاع غزة، فيقول إنه يحصل على المساعدات بفترات متباعدة، بينما يشاهد عمليات توزيع تصل إلى أسر أخرى داخل مخيم النزوح غرب مدينة غزة.

ويقول: "كنت أرى الطرود تدخل وتخرج، وأشاهد أشخاصًا يستلمون المساعدات، بينما أعود دون شيء. عندما سألت إدارة المخيم، قيل لي إن هذه المساعدات مخصصة لفئات معينة، منها المصابون، لكنني أعرف أشخاصًا حصلوا عليها وليس بينهم مصابون أو في عائلاتهم مصابون".

ولا يعترض علي على حصول أي محتاج لكنه يتساءل عن غياب معايير واضحة وآلية تمكن النازحين من معرفة أسباب الاستبعاد أو الاعتراض عليه.

وفي حالة أخرى، تقول سوسن السيد (28 عامًا)، النازحة من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، إن تحديث بياناتها أدى إلى فقدانها ملفًا مستقلًا للحصول على المساعدة.

وتوضح أنها تعيش مع عائلتها المكونة من 12 فردًا، وكانت تحصل على مساعدات بصورة متقطعة قبل أن تنقطع عنها منذ بداية عام 2026. وتقول: "عندما عاد نظام تحديث البيانات للعمل بعد تعطله عدة أيام، سجلت بياناتي من جديد، لكنني فوجئت بإلغاء اسمي من سجل المستفيدين وضمي إلى سجل عائلتي لأنني مطلقة وليس لدي أطفال".

وتضيف: "الطرود التي تصل لعائلتي بالكاد تكفي الجميع، وعندما كنت أحصل على مساعدة باسمي كنت أستطيع تأمين بعض احتياجاتي الأساسية، أما الآن فأشعر أن وجودي لم يعد محسوبًا"،

غياب المرجعية الموحدة… أين تبدأ المشكلة؟

في مقابل شهادات المواطنين، سعى التحقيق إلى تتبع الآلية التي تُبنى من خلالها قوائم المستفيدين، والجهات التي تمتلك صلاحية إدراج الأسماء أو حذفها، وما إذا كانت المؤسسات الإنسانية تعتمد مرجعية موحدة أم تعمل وفق قواعد بيانات مستقلة.

ويرى رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية في قطاع غزة رأفت المجدلاوي أن أزمة المساعدات لا ترتبط فقط بنقص الموارد بل بغياب منظومة موحدة تنظم عملية الاستهداف والتوزيع، موضحًا أن الحرب عطلت البنية التي كانت تدير هذا الملف قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

ويقول: "لا توجد اليوم معايير أو مبادئ مشتركة تحكم عمل المؤسسات الإنسانية. قبل الحرب كانت وزارة التنمية الاجتماعية تنظم عملية تسجيل الأسر، لكن بعد تعطل المؤسسات أصبحت كل جهة تعتمد آلياتها الخاصة، ما أدى إلى تفاوت في فرص الحصول على المساعدات".

ويضيف أن تعدد قواعد البيانات تسبب في ازدواجية الاستفادة؛ إذ تحصل بعض الأسر على مساعدات من أكثر من جهة، بينما تبقى أسر أخرى خارج البرامج رغم حاجتها.

ويشير إلى أن الأونروا كانت قبل الحرب تمثل الركيزة الأساسية لمنظومة الإغاثة، بفضل قواعد بياناتها ومستودعاتها وبرامجها، موضحًا أن تراجع دورها إلى جانب تعطل وزارة التنمية الاجتماعية أحدث فجوة كبيرة في إدارة ملف المساعدات.

وتدعم بيانات الأونروا هذا التوصيف؛ إذ تشير إلى أنها، منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى بدء وقف إطلاق النار في 19 كانون الثاني/يناير 2025، أوصلت الطحين إلى أكثر من 388 ألف عائلة، أي نحو 1.9 مليون شخص عبر جولتين، فيما حصلت 374 ألف عائلة على ثلاث جولات على الأقل، وخلال فترة وقف إطلاق النار التي استمرت حتى آذار/مارس 2025، تمكنت الوكالة من إيصال مساعدات غذائية حيوية إلى أكثر من مليوني شخص، قبل أن تعلن نفاد مخزونها الغذائي في نهاية نيسان/أبريل 2025، بعدما مُنعت من إدخال المساعدات الإنسانية، بما فيها الغذاء، مباشرة إلى القطاع منذ 2 آذار/مارس 2025.

ويؤكد المجدلاوي أن غياب هذا النظام لم يؤثر فقط في حجم المساعدات، بل أيضًا في طريقة إدارتها، موضحًا: "لم يعد هناك جسم مركزي يدير التسجيل أو يراقب الازدواجية أو يضع معايير موحدة للاستحقاق، وأصبحت لكل مؤسسة أو منطقة آلياتها الخاصة".

ويشير إلى أن النزوح المتكرر وصعوبة الوصول إلى الأسر، في ظل انقطاع الكهرباء والإنترنت وتدمير البنية التحتية، جعلا تحديث البيانات أكثر تعقيدًا، مؤكدًا أن الآليات التقليدية لم تعد كافية.، ويقترح إعادة تنظيم مراكز الإيواء البالغ عددها نحو 1600 مركز عبر لجان ميدانية تتولى تحديث بيانات النازحين دوريًا، موضحًا أن سرعة تغير أماكن الإقامة أصبحت أحد أسباب استبعاد بعض الأسر أو تأخر وصول المساعدات إليها

كما يحذر المجدلاوي من تراجع مستويات النزاهة والشفافية في إدارة المساعدات خلال الحرب، موضحًا أن تعطل منظومة الاستلام والتخزين والتسجيل أدى إلى اعتماد كل جهة معاييرها الخاصة، مشيراً إلى أن ضعف التمويل يمثل عاملًا إضافيًا، إذ لا يتجاوز التمويل المتاح، وفق تقديرات الفرق الإنسانية، 25% من حجم الاحتياجات الفعلية، لكنه يؤكد أن زيادة المساعدات وحدها لا تكفي، ما لم تترافق مع نظام موحد للتسجيل والاستهداف وآليات فعالة للمراجعة والمساءلة

وزارة التنمية: قاعدة البيانات موجودة… لكن ليست جميع المؤسسات تعتمدها

في المقابل، تؤكد المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية في غزة عزيزة الكحلوت أن الوزارة تمكنت، رغم ظروف الحرب وانقطاع الإنترنت وفقدان عدد من موظفيها، من إنشاء منظومة وطنية لتحديث بيانات المواطنين، موضحة أن القاعدة تشمل أكبر عدد ممكن من الأسر المحتاجة ومتاحة للمؤسسات الإنسانية.

وتقول: "ندعو باستمرار إلى اعتماد قاعدة بيانات الوزارة لأنها الأكثر شمولًا ودقة، لكن بعض الجهات ما زالت تعتمد بياناتها الخاصة، وهذا يؤدي إلى تفاوت في نتائج الاستهداف"، وتشير إلى أن عددًا من المؤسسات المحلية والدولية يعتمد هذه القاعدة بهدف تعزيز العدالة في توزيع المساعدات.

وتضيف أن الوزارة تتلقى يوميًا شكاوى من أسر لا تحصل على المساعدات، معتبرة أن المشكلة ترتبط بعاملين: نقص المساعدات نتيجة الحصار وإغلاق المعابر، واستمرار بعض الجهات في التوزيع بعيدًا عن قاعدة البيانات المركزية.

وتقول: "نحن أمام كارثة إنسانية، وإذا استمرت عمليات التوزيع بعيدًا عن قاعدة البيانات المركزية، فإن العشوائية ستزداد وستتراجع العدالة في وصول المساعدات."، وتؤكد أن الوزارة لا تراقب عمل المؤسسات بشكل مباشر، لكنها تواصل الدعوة إلى توحيد المرجعية المعلوماتية لضمان وصول المساعدات إلى الأسر المحتاجة.

وترى الكحلوت أن استمرار اعتماد بعض المؤسسات على قواعد بيانات منفصلة يبقي فجوة في عملية الاستهداف، ويجعل من الصعب ضمان عدم تكرار استفادة بعض الأسر أو استبعاد أخرى دون مراجعة واضحة، ما يستدعي توحيد المرجعية وآليات المتابعة بين مختلف الجهات العاملة في الإغاثة.

بين الروايتين… أين تكمن الفجوة؟

تكشف إفادتا المجدلاوي والكحلوت عن اتفاق حول تأثير تعدد قواعد البيانات على عدالة توزيع المساعدات، لكن الاختلاف يتمثل في تفسير السبب؛ فبينما يرى المجدلاوي أن غياب المرجعية الموحدة أدى إلى فوضى في إدارة الملف، تؤكد الوزارة أن قاعدة البيانات المركزية متاحة لكن بعض المؤسسات لا تعتمدها، وفي ظل تعدد أنظمة التسجيل واستمرار النزوح، يبقى المواطن أمام منظومات مختلفة لا يعرف أيها يحدد استحقاقه أو الجهة المسؤولة عن قرار الإدراج أو الاستبعاد.

في محاولة لتتبع مسار القرار داخل الجهات المنفذة، يؤكد مدير مؤسسة إنقاذ المستقبل الشبابي محمد مقداد، الشريكة لبرنامج الأغذية العالمي (WFP) في توزيع المساعدات الغذائية، أن المؤسسة لا تمتلك صلاحية اختيار المستفيدين أو تعديل القوائم، وأن دورها يقتصر على تنفيذ التوزيع وفق القوائم المعتمدة من البرنامج.، ويقول: "نعمل وفق نظام برنامج الأغذية العالمي، حيث ننفذ توزيع الحصص الغذائية الشهرية، أما قوائم المستفيدين فتعتمد بالكامل على نظام التسجيل الذاتي الخاص بالبرنامج".

وأوضح أن معايير الاستهداف وتحديد الأولويات يضعها البرنامج، وليس للجمعية دور في إضافة الأسماء أو حذفها، مضيفًا: "دورنا يبدأ عند استلام القوائم وينتهي بعد تنفيذ عملية التوزيع"، وبشأن الشكاوى يبين أن المؤسسة تتعامل مع الملاحظات المتعلقة بعملية التنفيذ، بينما تُحال الشكاوى الخاصة بالاستهداف أو حذف الأسماء أو معايير الاستفادة إلى برنامج الأغذية العالمي باعتباره الجهة المالكة للبيانات.

ويضيف: "لدينا نظام متابعة وتقييم للشكاوى لكن أسباب إدراج شخص أو استبعاده ليست بحوزتنا، وهي من اختصاص البرنامج".

كما يشير مقداد إلى أن البرنامج يطلب تحديث بيانات المستفيدين باستمرار، ويوفر مراكز مساعدة لمن يواجهون صعوبات في التحديث الإلكتروني، فيما ترفع الجمعية ملاحظات الأسر حول الطرود وآلية التوزيع إلى البرنامج، خاصة مع تغير الاحتياجات خلال الحرب، مؤكدًا أن الجمعية لا تملك صلاحية نشر إحصائيات أعداد المستفيدين أو تفاصيل بياناتهم دون موافقة برنامج الأغذية العالمي، باعتبارها الجهة المالكة لهذه المعلومات.

وقد حذر برنامج الأغذية العالمي في بيان رسمي، صدر في 27 تموز/يوليو 2025، من تفاقم الأزمة الغذائية في قطاع غزة، مؤكدًا أن المساعدات الغذائية أصبحت السبيل الوحيد لتأمين الطعام لمعظم السكان، وأن ثلث السكان لا يأكلون لعدة أيام، فيما يواجه نحو 470 ألف شخص ظروفًا شبيهة بالمجاعة، ويحتاج 90 ألف امرأة وطفل إلى علاج تغذوي عاجل.

وتنسجم هذه التحذيرات مع ما وثقه التحقيق ميدانيًا من اعتماد آلاف الأسر بصورة شبه كاملة على المساعدات الإنسانية، بما يجعل أي خلل في آليات الاستهداف أو التوزيع ينعكس مباشرة على قدرتها على الحصول على الغذاء، داعياً إلى توفير ممرات آمنة لقوافل المساعدات، وتسريع إجراءات إدخالها، وفتح معابر إضافية، بما يضمن وصول الغذاء إلى الأسر المحتاجة بصورة منتظمة وآمنة.

داخل المخيم… مساعدات أقل من عدد المحتاجين

في أحد مخيمات النزوح شمال قطاع غزة، يتولى المعتصم عبد ربه مسؤولية متابعة أوضاع نحو 100 عائلة تقيم داخل المخيم، ويحتفظ بكشوفات بأسماء الأسر واحتياجاتها، يقول إن المساعدات التي تصل لا تغطي جميع العائلات، وإنه واجه أكثر من مرة صعوبة في توزيع كميات محدودة على عدد كبير من الأسر المحتاجة.

ويضيف: " في البداية فكرت في رفض استلام المساعدات القليلة حتى لا يشعر أحد بالتمييز، لكنني تراجعت لأن هناك عائلات تعيش أوضاعًا مأساوية ولا يمكن تركها دون أي دعم".

ويوضح أنه يتواصل مع المؤسسات الإنسانية لتغطية احتياجات المخيم، إلا أن بعضها يعتذر بسبب نقص التمويل، فيما تقدم جهات أخرى مساعدات محدودة لا تكفي سوى لعدد قليل من الأسر، مشيرًا إلى أن بعض المطابخ الإغاثية تتوقف أحيانًا عن تقديم الوجبات بسبب نقص الإمكانيات ، كما يرى أن تراجع التمويل لا يعكس حجم المعاناة القائمة، قائلًا إن كثيرًا من الجهات تتعامل مع الأزمة وكأنها تراجعت، بينما تزداد احتياجات النازحين يومًا بعد يوم.

ويؤكد عبد ربه أن التحدي لا يقتصر على محدودية عدد الطرود مقارنة بحجم الاحتياج بل يمتد إلى غياب معايير واضحة ومعلنة تفسر آلية اختيار الأسر المستفيدة، الأمر الذي يترك النازحين أمام تساؤلات مستمرة حول أسباب حصول بعض الأسر على المساعدة وحرمان أخرى.

غياب المعايير الموحدة يهدد مبادئ العمل الإنساني

وترى رندا قدادة، المختصة في القانون الدولي الإنساني، أن الالتزام القانوني لا يقتصر على إيصال المساعدات، بل يشمل ضمان أن تستند عملية اختيار المستفيدين إلى معايير موضوعية قائمة على الاحتياج الفعلي، بعيدًا عن أي تمييز أو محاباة.

وتقول: "المساعدات الإنسانية يجب أن تُقدَّم وفق مبادئ الإنسانية وعدم التمييز وعدم التحيز، بحيث يكون معيار الاستفادة الوحيد هو حجم الاحتياج، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر هشاشة، وليس لأي اعتبارات أخرى".

وتوضح أن الشفافية والمساءلة تمثلان جزءًا أساسيًا من العمل الإنساني، من خلال اعتماد معايير واضحة، وإتاحة آليات فعالة للشكاوى والمراجعة.

وتضيف: "إن تعدد قواعد البيانات أو غياب معايير موحدة لا يعني بالضرورة وجود فساد أو تمييز متعمد، لكنه قد يؤدي عمليًا إلى الإخلال بمبادئ العدالة إذا ترتب عليه حرمان أسر مستحقة أو تكرار استفادة أسر أخرى، وهنا تصبح الجهات المعنية مطالبة بتصحيح الخلل ومنع تكراره".

مؤكدة أن تعزيز النزاهة يتطلب توحيد قواعد البيانات، وتمكين المواطنين من معرفة أسباب الاستبعاد، وإنشاء آليات تظلم فعالة، وإجراء مراجعات دورية لأنظمة التسجيل والاستهداف بما ينسجم مع المعيار الإنساني الأساسي للجودة والمساءلة (Core Humanitarian Standard on Quality and Accountability – CHS).

أزمة تتجاوز القوائم

تكشف المعطيات التي جمعها التحقيق أن أزمة المساعدات الإنسانية في قطاع غزة لا ترتبط بعامل واحد، وإنما تتداخل فيها عدة عناصر، تبدأ من استمرار الحصار وإغلاق المعابر، وتمر بتراجع التمويل، ولا تنتهي عند تعدد قواعد البيانات وغياب مرجعية موحدة يعتمدها جميع الفاعلين الإنسانيين.

وتشير بيانات الأونروا إلى أنها قدمت منذ اندلاع الحرب أكثر من 18.9 مليون استشارة صحية، بينها 12.9 مليون استشارة داخل قطاع غزة، كما تمكنت قبل توقف إدخال المساعدات عبرها من إيصال مساعدات غذائية إلى أكثر من مليوني شخص خلال فترة وقف إطلاق النار، قبل أن تعلن نفاد مخزونها الغذائي في نهاية نيسان/أبريل 2025.

كما حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) من أن استمرار القيود على إدخال المساعدات، إلى جانب النزوح المتكرر يفاقم انعدام الأمن الغذائي ويجعل الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة أكثر صعوبة.

من يقرر من يستحق؟

أظهرت الشهادات أن تحديث البيانات لا يضمن بالضرورة استمرار الاستفادة، وأن كثيرًا من المواطنين لا يتلقون تفسيرًا واضحًا عند استبعادهم أو تأخر حصولهم على المساعدات في ظل غياب آليات معلنة وفعالة للتظلم والمراجعة.

وبينما تؤكد وزارة التنمية الاجتماعية امتلاكها قاعدة بيانات مركزية، تعتمد بعض المؤسسات قواعد مستقلة، في حين تؤكد الجهات المنفذة أنها لا تمتلك صلاحية تعديل القوائم أصلًا، وإنما تقتصر مهمتها على تنفيذ ما يردها من الجهات الممولة، وفي ظل هذا التشابك، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، عاجزًا عن معرفة الجهة التي اتخذت قرار استبعاده أو المسار الذي يمكنه من خلاله الاعتراض على هذا القرار.

ويخلص التحقيق إلى أن التحدي لا يقتصر على محدودية الموارد الإنسانية بل يمتد إلى الحاجة الملحة لتوحيد قواعد البيانات، واعتماد معايير مكتوبة وشفافة للاستهداف، وإنشاء آليات مستقلة وفعالة للتظلم والمراجعة، بما ينسجم مع مبادئ القانون الدولي الإنساني والمعايير الإنسانية الدولية.

كما كشف عن ثغرات بنيوية في منظومة الاستهداف تتمثل في تعدد قواعد البيانات، وتباين المعايير، وضعف الشفافية، وغياب آليات مراجعة فعالة، وهذه الثغرات تفرض ضرورة تعزيز المساءلة والرقابة، وتوحيد مرجعيات التسجيل، بما يضمن وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجًا وفق معايير عادلة وواضحة.

ويبقى السؤال مفتوحًا: حين تغيب المعايير… من يقرر فعلًا من يستحق المساعدة؟

المصادر المفتوحة:

1- وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية وفا، الإحصاء: 15.5 مليون فلسطيني في نهاية العالم 2025 ، 9-7-2026 ، الرابط:

2- الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ، الإحصاء الفلسطيني يصدر بياناً صحفياً بمناسبة يوم الصحة العالمي 07/04/2026 ، الرابط:

3- وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، تقرير الأونروا رقم 188 حول الأزمة الإنسانية في قطاع غزة والضفة الغربية، 17 سبتمبر/أيلول 2025 :

4- برنامج الأغذية العالمي – بيان بشأن غزة، 27 تموز/يوليو 2025⁠: https://ar.wfp.org/news/gaza-statement

وقت آخر تعديل: 2026-08-17 12:27:17