الرابعة نيوز_الخليل – شبكة الرابعة
قال مدير عام لجنة إعمار الخليل، المهندس مهند الجعبري، إن اللجنة تمضي في تنفيذ حزمة من المشاريع الاستراتيجية داخل البلدة القديمة في الخليل، تشمل تأهيل آبار المياه، وإعادة ترميم المنازل وإسكان عائلات جديدة، وإحياء المحال والأسواق التجارية، إلى جانب التحضير لمشروع للطاقة البديلة، في إطار جهود متكاملة تهدف إلى تعزيز صمود السكان والحفاظ على الوجود الفلسطيني في قلب البلدة القديمة والحد من التمدد الاستيطاني.
وأوضح الجعبري، خلال حديثه لبرنامج «يصبحكم بالخير» الذي يقدمه الإعلامي رياض خميس ويُبث عبر راديو الرابعة وفضائية معاً وشبكة معاً الإذاعية، أن لجنة إعمار الخليل تعاملت خلال الفترة الماضية مع ملف المياه باعتباره واحداً من أبرز التحديات التي تواجه سكان البلدة القديمة، خصوصاً في ظل طبيعتها العمرانية التي تعيق وصول صهاريج وخزانات المياه إلى عدد من المناطق.
213 بئراً مسجلة.. وتأهيل 100 منها
وبيّن الجعبري أن أزمة المياه التي شهدتها الخليل خلال العام الماضي دفعت اللجنة إلى البحث عن حلول عملية ومستدامة، مشيراً إلى أن اللجنة فتحت باب تسجيل الآبار الموجودة داخل البلدة القديمة، لتتفاجأ بحجم المخزون المائي الذي يمكن الاستفادة منه.
وقال إن عدد الآبار المسجلة لدى لجنة إعمار الخليل تجاوز 213 بئراً بحاجة إلى التأهيل، فيما تمكنت اللجنة من إنجاز المرحلة الأولى من المشروع وتأهيل 100 بئر.
وأضاف أن العمل ينطلق حالياً لتأهيل 10 آبار إضافية بتمويل من شركة الاتصالات الفلسطينية، على أن تتواصل الجهود لإنجاز أكبر قدر ممكن من الآبار المتبقية خلال المرحلة المقبلة.
وأشار إلى أن عمليات التأهيل كشفت عن آبار كبيرة الحجم لم تكن طبيعتها معروفة مسبقاً، موضحاً أن العمل في بعض الآبار استمر لنحو 70 يوماً بسبب حجمها وطبيعتها الإنشائية، فيما كشفت أعمال التأهيل في منطقة الشلالة عن وجود نبع مياه داخل أحد الآبار.
وأكد الجعبري أن المشروع لا يقتصر على معالجة مشكلة خدمية مرتبطة بالمياه، وإنما يحمل بعداً استراتيجياً، إذ يسهم توفير مصادر المياه وتخزينها في تعزيز قدرة السكان على البقاء والاستمرار داخل البلدة القديمة.
وتوقع أن يحتاج المشروع إلى نحو عام إضافي للوصول إلى مرحلة متقدمة من الإنجاز، معرباً عن أمله في أن تكون البلدة القديمة، مع حلول أزمة المياه المتوقعة في الصيف المقبل، أكثر قدرة على مواجهة شح المياه دون تكرار حجم الأزمة السابقة.
إنجاز 70% من آبار المناطق المغلقة
وفيما يتعلق بمصادر تمويل المشروع، أوضح الجعبري أن المبادرة انطلقت في ظل شح الموارد المالية، وكان المجتمع المحلي شريكاً أساسياً في دعم أعمال تأهيل الآبار، لافتاً إلى أن تكلفة ترميم كل بئر تختلف بحسب حجمه وحالته الإنشائية والأعمال التي يحتاج إليها.
كما أشار إلى مشروع نُفذ بالشراكة مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لإعادة تأهيل الآبار في المناطق المغلقة، موضحاً أنه جرى إنجاز ما يقارب 70% من الآبار المستهدفة في تلك المناطق.
وقال إن العمل في المشروع توقف بعد منع الاحتلال لجنة الإعمار والصليب الأحمر من استكماله، وكان آخر المواقع التي تعذر استكمال العمل فيها بئراً لعائلة دعنة في منطقة واد الحسين.
وأضاف أن اللجنة عادت للعمل في مناطق أخرى داخل البلدة القديمة ومحيطها من أجل مواصلة تأهيل الآبار المتبقية.
الطاقة البديلة.. المشروع الاستراتيجي المقبل
وكشف الجعبري أن لجنة إعمار الخليل تستعد للانتقال إلى مشروع استراتيجي جديد يتمثل في إدخال الطاقة البديلة إلى البلدة القديمة، بما يسهم في خفض تكاليف الكهرباء على السكان والتخفيف من الأعباء المالية المرتبطة بالخدمات.
وأوضح أن تجربة للطاقة البديلة نُفذت سابقاً من قبل الصليب الأحمر في منطقة تل الرميدة وأظهرت نتائج إيجابية، مشيراً إلى أن بعض الأهالي أصبح لديهم عائد مالي دوري من إنتاج الطاقة، إلى جانب تخفيف أعباء فاتورة الكهرباء.
وأكد أن اللجنة تعمل حالياً على مخاطبة جهات ومؤسسات دولية مهتمة بالتراث والإسكان والحفاظ على المدن التاريخية بهدف توفير التمويل اللازم للمشروع، معرباً عن أمله في الحصول خلال عام 2027 على تمويل يسمح بالبدء بتنفيذ مشروع الطاقة البديلة في البلدة القديمة.
وشدد على أن دعم البلدة القديمة لا ينبغي أن يرتبط فقط بحسابات الكلفة والعائد، باعتبار تعزيز صمود سكانها مسؤولية وطنية، إلا أن مشاريع الطاقة البديلة يمكن في الوقت ذاته أن تخلق نموذجاً أكثر استدامة في إدارة الخدمات وتخفيف الأعباء.
46 عائلة عادت للسكن في البلدة القديمة
وفي ملف الإسكان، أعلن الجعبري عن إعادة إسكان عائلة جديدة في منطقة خلة شاهين، موضحاً أن المنزل الذي جرى تأهيله يقع في منطقة حساسة توجد عليها نقطة عسكرية إسرائيلية.
وقال إن إسكان عائلة أبو رجب في المنزل رفع عدد العائلات التي تمت إعادتها إلى البلدة القديمة خلال هذه المرحلة إلى 46 عائلة، رغم شح التمويل وتراجع حجم المشاريع المتاحة.
وأشار إلى وجود عشرات العائلات التي أنهت الإجراءات اللازمة وتنتظر فرصة الإسكان داخل البلدة القديمة، موضحاً أن العملية تمر بعدة مراحل تبدأ بتقديم الطلب والإجراءات والفحوص المطلوبة، وصولاً إلى مرحلة الإسكان.
وفي المقابل، تحدث الجعبري عن تحدٍّ آخر يتمثل في وجود عدد من المنازل التي أغلقها أصحابها وغادروها منذ فترات طويلة، دون تسليمها إلى لجنة إعمار الخليل أو الأوقاف أو إتاحتها للاستفادة منها في برامج الإسكان.
ودعا أصحاب هذه المنازل إلى التعاون من أجل إعادة استخدامها وإسكان عائلات فلسطينية فيها، مؤكداً أن إعادة الحياة إلى المنازل المغلقة تحمل أهمية تتجاوز البعد الاجتماعي والخدماتي.
وقال الجعبري إن «الإسكان في البلدة القديمة هو عمل ديمغرافي يحافظ على البلدة القديمة ويمنع التمدد الاستيطاني، ويحافظ على قلب الخليل نابضاً بالحياة والتواجد الفلسطيني».
إعادة الحياة للأسواق.. 10 محال في المرحلة الأولى
وبالتوازي مع مشاريع الإسكان، أوضح الجعبري أن لجنة إعمار الخليل بدأت العمل على إعادة فتح المحال التجارية المغلقة وتنشيط الأسواق داخل البلدة القديمة، ضمن رؤية تهدف إلى ربط السكن بمصادر الدخل وفرص العمل.
وأشار إلى أن التوجه الجديد يقوم على منح الأولوية لسكان البلدة القديمة للاستفادة من هذه المحال، بحيث يتمكن الساكن من امتلاك فرصة عمل أو مصدر دخل بالقرب من مكان إقامته، بما يعزز قدرته على الاستقرار والبقاء.
وأوضح أن المشروع يواجه تحديات تتعلق بملكيات بعض المحال، إلا أن العمل بدأ فعلياً على 10 محال تجارية كمرحلة أولى.
وأضاف أن أول محل جرى افتتاحه بالفعل في منطقة سوق اللبن، على أن يتم خلال الأسابيع المقبلة افتتاح محال أخرى ضمن المرحلة الأولى، على أن يتولى تشغيلها سكان من البلدة القديمة.
وتعكس هذه الخطوة، بحسب الجعبري، توجهاً يقوم على أن إعادة إعمار البلدة القديمة لا تقتصر على الحجر وترميم المباني، وإنما تشمل إعادة بناء دورة الحياة فيها، من السكن إلى العمل والتجارة والخدمات.
أكثر من 10 آلاف نسمة في البلدة القديمة والمناطق المغلقة
وحول عدد السكان، أوضح الجعبري أن التقديرات الحالية تشير إلى وجود أكثر من 10 آلاف نسمة في البلدة القديمة والمناطق المغلقة والمحيطة بها، بما يشمل تل الرميدة، والسهلة، وحارة جابر، ومنطقة الرأس ومناطق أخرى.
وأشار إلى أن لجنة إعمار الخليل تعمل حالياً على إعداد دراسة ميدانية شاملة تستمر لمدة ستة أشهر، جرى من أجلها تعيين ثماني مهندسات وموظفين لتنفيذ زيارات ميدانية للمباني والعائلات.
ومن المتوقع أن تفضي الدراسة إلى توفير رقم رسمي ودقيق لعدد السكان، إلى جانب إعداد خريطة محدثة للبلدة القديمة تعتمد على بيانات ميدانية موثقة يمكن الاستناد إليها في التخطيط للمشاريع المستقبلية.
دعوة لأهالي الخليل: لا تجعلوا زيارة البلدة القديمة موسمية
وفي جانب آخر من حديثه، دعا الجعبري أهالي محافظة الخليل ومختلف محافظات الوطن إلى تكثيف زيارة البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي الشريف وعدم حصر الزيارات في شهر رمضان والمناسبات الدينية.
وأشار إلى أن الأوضاع التي أعقبت السابع من أكتوبر انعكست سلباً على حركة المواطنين والنشاط التجاري في البلدة القديمة، ما يجعل استعادة الحركة اليومية إليها ضرورة لدعم سكانها وتجارها.
ودعا كل مواطن في محافظة الخليل إلى أن يجعل زيارة الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة مبادرة شخصية متكررة على مدار العام، لما لذلك من أثر مباشر في تعزيز الحركة التجارية والوجود الفلسطيني في المنطقة.
وأوضح أن الحديقة الملاصقة للحرم الإبراهيمي الشريف جرى فتحها مجاناً أمام أبناء المحافظة والزوار من مختلف محافظات الوطن، مشيراً إلى وجود إجراءات لتسهيل دخول المواطنين وخروجهم.
كما شدد على أهمية الدور الذي يقوم به الإعلام في نقل الصورة الحقيقية حول أوضاع الحرم الإبراهيمي، سواء فيما يتعلق بأوقات فتحه أو إغلاقه، حتى لا تتحول حالات الإغلاق المؤقتة إلى انطباع دائم لدى المواطنين يدفعهم إلى الابتعاد عن المنطقة.
معركة بقاء تُخاض بالماء والسكن والسوق
وتكشف المشاريع التي تعمل عليها لجنة إعمار الخليل عن رؤية تتجاوز مفهوم الترميم التقليدي للمباني التاريخية؛ فإعادة تأهيل بئر مياه، أو فتح منزل مغلق أمام عائلة جديدة، أو إعادة تشغيل محل تجاري، أو توفير مصدر بديل للطاقة، تتحول في واقع البلدة القديمة إلى أدوات لتعزيز قدرة السكان على البقاء واستمرار الحياة فيها.
وفي منطقة تواجه تحديات متشابكة مرتبطة بالإغلاق والاستيطان وتراجع النشاط التجاري وشح الموارد، تراهن لجنة إعمار الخليل على إعادة بناء مقومات الحياة اليومية باعتبارها أحد أهم عناصر حماية المكان والحفاظ على هويته.
وبين 213 بئراً مسجلة، و100 بئر جرى تأهيلها، و46 عائلة أعيد إسكانها، و10 محال تستعد للعودة إلى العمل، وأكثر من 10 آلاف فلسطيني يعيشون في البلدة القديمة والمناطق المغلقة، تبدو الرسالة التي حملها حديث الجعبري واضحة: حماية البلدة القديمة لا تتحقق بالحفاظ على حجارتها وحدها، وإنما بإبقاء أبواب بيوتها مفتوحة، وأسواقها عامرة، ومياهها متوفرة، وشوارعها نابضة بأهلها وزوارها.
فالبلدة القديمة في الخليل ليست مجرد إرث تاريخي يحتاج إلى الترميم، بل مساحة حياة ووجود؛ وكل عائلة تعود إلى منزل، وكل متجر يفتح أبوابه، وكل بئر يعود إلى الخدمة، يمثل خطوة إضافية في تثبيت الحضور الفلسطيني وحماية قلب الخليل من محاولات التمدد الاستيطاني.