الرابعة نيوز- الولايات المتحدة تتجه نحو تقليص دورها العسكري المباشر في المنطقة، مع الإبقاء على الدعم لحلفائها ورفض خوض الحروب البرية نيابة عنهم
كشف المبعوث الأمريكي توم باراك عن توجه أمريكي لإعادة صياغة العلاقات الأمنية مع دول الخليج والشرق الأوسط، بما يضع مسؤولية أكبر على عاتق الدول الإقليمية في حماية أمنها ومصالحها، بدلاً من الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية.
وأوضح باراك أن واشنطن تعيد تقييم دورها بوصفها ضامناً للأمن الإقليمي، وتتجه نحو تقديم الدعم والمساندة لحلفائها، بدلاً من التدخل العسكري المباشر وفرض الحلول بالقوة أو السعي إلى تغيير الأنظمة، في ضوء ما وصفه بإخفاق تجارب أمريكية سابقة في المنطقة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتصاعد فيه التساؤلات بشأن مستقبل الالتزامات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، ومدى استعداد واشنطن لمواصلة دورها التقليدي في حماية حلفائها، في ظل التحولات الاستراتيجية والتوترات الإقليمية المتزايدة.
واشنطن تطالب حلفاءها بتحمّل المسؤولية
وقال باراك، خلال مقابلة صحفية على هامش منتدى الأمن العالمي في الدوحة، إن الولايات المتحدة تتجه إلى الانتقال من دور يتولى إدارة الصراعات وفرض الحلول إلى دور يركز على دعم الأطراف ومساعدتها على التوصل إلى تسويات.
وأضاف أن دول المنطقة ستكون مطالبة بالاعتماد بصورة أكبر على ترتيباتها الأمنية الخاصة، وتحمل المسؤولية الرئيسية عن حماية مصالحها، مشيراً إلى أن واشنطن لا تعتزم مغادرة المنطقة، لكنها تسعى إلى تغيير طبيعة حضورها فيها.
وفي حديثه عن العلاقة بين إمدادات النفط الخليجية والضمانات الأمنية الأمريكية، أشار باراك إلى أن هذه المعادلة لم تنتهِ، لكنها تمر بمرحلة انتقالية تفرض إعادة تقييم طبيعة الدور الأمريكي وحدوده.
واعتبر أن تجارب التدخل في العراق وأفغانستان وسوريا وليبيا أظهرت أن محاولات فرض السيطرة وإعادة تشكيل الدول بالقوة لم تحقق النتائج المرجوة، لافتاً إلى أن سجل التدخلات وتغيير الأنظمة يستدعي مراجعة جدية للسياسات الأمريكية السابقة.
رفض خوض الحروب البرية نيابة عن الحلفاء
وفي مؤشر على حدود الانخراط العسكري الأمريكي المباشر، استبعد باراك مشاركة القوات الأمريكية في معارك برية في اليمن دعماً للسعودية في حربها ضد الحوثيين، رغم تأكيده استعداد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتقديم الدعم اللوجستي الذي تحتاجه الرياض.
وقال باراك إن ترامب أبدى دعماً واضحاً للسعودية، لكنه اعتبر أن دخول القوات الأمريكية في معركة برية داخل دولة أخرى «يبدو غير مجدٍ»، في إشارة إلى عدم رغبة واشنطن في تولّي القتال المباشر نيابة عن حلفائها.
وشدد على ضرورة أن تتحمل الدول مسؤولية أمنها، وأن تستعيد مؤسساتها الرسمية دورها في المجالين الأمني والعسكري، بدلاً من ترك المجال للميليشيات والجماعات المسلحة لتكون بديلاً عن مؤسسات الدولة.
ويتقاطع هذا التوجه، بحسب ما ورد في التصريحات، مع دعوات أمريكية إلى تحميل الشركاء الإقليميين العبء الأكبر في ردع التهديدات، بما فيها التهديدات المرتبطة بإيران والجهات المتحالفة معها.
مراجعة التدخلات العسكرية الأمريكية
وفي تقييمه للتجارب السابقة، رأى باراك أن استخدام القوة العسكرية لا يضمن إنهاء الصراعات، بل قد يؤدي إلى تعقيدها وتوسيع تداعياتها، مشيراً إلى أن الأزمات في الشرق الأوسط تتداخل بفعل عوامل جغرافية ودينية واقتصادية وقبلية.
وأوضح أن التحركات العسكرية في أحد الملفات قد تنعكس على ملفات أخرى، بما يشمل النزوح واللجوء والهجرة، معتبراً أن فرض الحلول بالقوة لا يكفي لمعالجة النزاعات المتجذرة.
وأضاف أن الولايات المتحدة لا تمتلك خطة جاهزة لحل جميع أزمات المنطقة، وأن المرحلة المقبلة تتطلب مراجعة التجارب السابقة والاعتماد على الحوار والصبر، بدلاً من الاعتقاد بإمكانية تسوية النزاعات المعقدة خلال فترة قصيرة.
تسوية دبلوماسية للحرب على إيران
وفي ما يتعلق بالحرب على إيران، شدد باراك على أهمية التوصل إلى تسوية دبلوماسية، مشيراً إلى أن انعدام الثقة بين واشنطن وطهران لا يزال يشكل عقبة أمام المفاوضات، رغم جهود الوساطة التي تبذلها قطر وسلطنة عُمان وباكستان ودول أخرى.
وقال إن أي تقدم نحو التسوية ينبغي أن يبدأ بوقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز وتخفيف الضغوط عن الشعب الإيراني، محذراً من التداعيات المحتملة لاستمرار الحرب على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي.
وتضع تصريحات باراك دول الخليج أمام تحديات متزايدة تتعلق بمستقبل أمنها الإقليمي، في ظل توجه أمريكي نحو إعادة توزيع الأعباء الأمنية وتقليص الاعتماد على التدخل العسكري المباشر.
وبينما تؤكد واشنطن استمرار حضورها في المنطقة، فإن الرسالة الأساسية للتصريحات تتمثل في أن ضمانات الحماية الأمريكية لم تعد تعني بالضرورة استعداد الولايات المتحدة لخوض الحروب نيابة عن حلفائها، ما يعزز الضغوط على دول المنطقة لتطوير قدراتها الدفاعية وإعادة تقييم خياراتها الأمنية والاستراتيجية.