في الطريق: وجوه تحكي وقهر لا يُروى بالكلمات

2025-09-20
الرابعة نيوز_غزة_ سعدية عبيد: لم أستطع تصوير أي صورة. لم أجرِ أي مقابلة.
كيف أطلب من رجل أنهكته الطريق، وقد سار مع عائلته عشرات الكيلومترات هربًا من الموت، أن يتحدث إلي؟
الوجوه وحدها كانت تتكلم.
عيونهم كانت تحكي كل ما لا يمكن للسان أن ينطق به. نظرة واحدة إلى ملامحهم كانت كفيلة بإسكات أي سؤال.
اكتفيت بالجلوس إلى جوارهم، أراقب بصمت مناقشاتهم، مشاداتهم، صراخ الأطفال المطالبين بالراحة، وإنهاك الأجساد التي وصلت إلى حدود العجز. 
ومع كل هذا التعب والقهر، تأتيك فجأة ضحكات منهكة، مسروقة من تعب اليوم. ضحكات أطفال يحاولون، بعفوية، أن يخففوا عن أنفسهم وعن من حولهم.
ضحكوا، فابتسمنا. بل ضحكنا معهم، دون تخطيط... فقط من قلوبنا. 
الشارع مبيت إجباري 
مع اقتراب الغروب، كان الناس لا يزالون على الطرقات.
جالسين على ما تبقى من أغراضهم القليلة التي استطاعوا حملها.
لا مواصلات، فكل المركبات القادمة من الشمال إلى الجنوب كانت ممتلئة بالكامل.
نساء، رجال، مسنّون، أطفال... جميعهم افترشوا الشارع، لا يعلمون إلى أين يتجهون ولا كيف. 
غابت الشمس. وكنت مضطرة للمغادرة.
لكن كيف أتركهم؟ كيف ألتفت وأمشي بينما هم هناك، في العراء، بلا وجهة، بلا مأوى؟
الليل بدأ يكسو الطريق، والوضع يزداد تعقيدًا.
وفي لحظة عشوائية، وجدت سيارة. سألت السائق عن الأجرة، فأجابني ببرود: "45 شيكل".
ولم يكن هذا المبلغ ليأخذني إلى وجهتي، بل فقط إلى الجنوب، ومن ثم أحتاج إلى وسيلة أخرى. 
أخبرته أنني جئت قبل ساعات فقط بـ15 شيكل، لكن ردّه كان: "خلص، 40 شيكل آخر كلام".
نظرت إليه بدهشة وقلت: "شكراً، يعطيك العافية".
أنا كنت وحدي، بلا أمتعة. فكم سيطلب من عائلة كاملة؟ ومعظم هؤلاء الناس مشوا الطريق مشيًا على الأقدام من شمال القطاع! 
استغلال صادم في وقت الكارثة 
المشكلة لم تكن فقط بالمبلغ، بل بالمنطق خلفه.
كيف يتعامل البعض مع معاناة الناس بهذه البرودة؟
كيف يمكن أن تُصبح الكارثة فرصة للتجارة؟
هذا السائق طلب مبلغًا غير منطقي مني، فكم سيطلب من أسرة كاملة لديها أمتعة ؟! 
تابعت المشي.
الوقت يمر، والظلام يزداد، والناس على الطرقات تزداد أعدادهم. 
سألت أحد الآباء: "ليش قاعدين؟ الدنيا عتمت".
فردّ بمرارة: "ما تعتم.. إن شاء الله يقصفونا ونرتاح".
وقالت الأم: "شو بدنا نعمل؟ لا نهار نافع ولا ليل، ما في مواصلات، وإذا في، بيطلبوا أسعار خيالية. لو معي مصاري، كان ما اجيت مشي، بس شو نعمل؟ رح ننام هون، والصبح بيحلها ربنا". 
لم أجد ردًا.
قلت فقط: "ربنا يحميكم"، وواصلت طريقي. 
وفي لحظة ما، لم أعد أعرف أين أنا.
الزحام، الظلام، صوت التعب، الناس... كل شيء كان كثيفًا. 
وأخيرًا، توقفت سيارة، وركبت.
وصلت  بالسلامة، لكن ما عدت كما كنت.
عدت محمّلة بتعب، وقهر، ووجع لا يُنسى. 
ليس عليك أن تعيش الوجع لتشعر به 
لا يجب أن تُهجّر حتى تفهم معنى النزوح.
ولا أن تبكي حتى تشعر بالقهر.
يكفي أن تصدق مشاعر الناس... حينها، ستفهم كل شيء. 
من يساعد؟ 
الناس من تبة النويري إلى الجنوب يفترشون الطرقات، ينامون على الأرصفة، ينتظرون الغد المجهول. 
السؤال الآن: من سيمدّ يده لهؤلاء؟ من سيسمع أصواتهم؟ من سيمنع عنهم هذا الاستغلال؟ 
الناس لا تريد الكثير... فقط أن تصل، أن تنجو، أن تعيش.

وقت آخر تعديل: 2025-09-20 13:16:38