إبرة بملايين الدولارات.. البروفيسور أنس شلالفة يكشف حقيقة علاج ضمور العضلات الشوكي ويدعو لصندوق وطني للأمراض النادرة

2026-09-26
الرابعة نيوز -  في ظل التفاعل الواسع الذي أثارته حملة الطفلة بسملة، والتساؤلات المتزايدة حول مرض ضمور العضلات الشوكي والعلاج الجيني الذي تصل كلفته إلى ملايين الدولارات، كشف البروفيسور والطبيب أنس شلالفة تفاصيل المرض وآلية العلاج، مؤكدًا أن عامل الوقت يشكّل فارقًا حاسمًا في النتائج، وداعيًا إلى إنشاء صندوق وطني ودولي دائم لتمويل علاج المصابين بالأمراض النادرة.

وجاء حديث شلالفة خلال استضافته في برنامج «طلة صباح»، الذي يُبث عبر فضائية معًا، وشبكة معًا الإذاعية، وراديو الرابعة، ويقدمه الإعلامي عادل غريب، حيث تناول بالتفصيل طبيعة المرض وأسبابه الوراثية، وحقيقة العلاج الجيني مرتفع الكلفة، وأهمية الكشف المبكر في تحسين فرص الاستفادة من العلاج.

وأوضح شلالفة أن ضمور العضلات الشوكي مرض وراثي عصبي نادر، لا ينتج عن عدوى أو فيروس، وإنما يرتبط بخلل جيني يؤثر في إنتاج بروتين ضروري لاستمرار عمل الأعصاب الحركية المسؤولة عن إيصال الإشارات إلى العضلات.

وأشار إلى أن المشكلة الأساسية في المرض لا تبدأ من العضلات ذاتها، بل من الأعصاب الحركية الخارجة من النخاع الشوكي، ومع تراجع وظيفتها لا تصل الإشارة العصبية إلى العضلات بصورة طبيعية، ما يؤدي تدريجيًا إلى ضعفها وضمورها.

الوراثة في قلب المرض

وبيّن شلالفة أن ضمور العضلات الشوكي من الأمراض الوراثية المتنحية، موضحًا أنه في حال كان الأب والأم حاملين للصفة الجينية، فإن احتمالية ولادة طفل مصاب تصل، في كل حمل، إلى 25%.

وأكد أن هذه الحقيقة تجعل من الفحوصات الجينية، خصوصًا لدى العائلات التي لديها تاريخ مرضي، أداة مهمة للوقاية والكشف المبكر، داعيًا إلى التفكير في إدخال فحوصات متخصصة ضمن برامج الفحص المبكر للأطفال حديثي الولادة.

وشدد على أن اكتشاف المرض في أيام الطفل الأولى قد يُحدث فارقًا كبيرًا في الاستجابة للعلاج، مؤكدًا أن القاعدة الأهم في التعامل مع هذه الحالات هي: كلما كان التشخيص والعلاج أبكر، كانت فرصة الحفاظ على وظائف الأعصاب أكبر.

ما حقيقة الإبرة التي يتجاوز سعرها مليوني دولار؟

وحول العلاج الذي تصاعد الحديث عنه أخيرًا، أوضح شلالفة أن الإبرة المقصودة هي علاج جيني يُعرف باسم Zolgensma، ويقوم على إدخال نسخة وظيفية من الجين المسؤول عن إنتاج البروتين الضروري لعمل الأعصاب الحركية.

وقال إن العلاج يُعطى عن طريق الوريد لمرة واحدة، وتتمثل فكرته في تمكين الجسم من إنتاج البروتين الذي يفتقده المريض نتيجة الخلل الجيني.

وأشار شلالفة إلى أن سعر العلاج يصل، وفق ما ذكره خلال المقابلة، إلى نحو 2.4 مليون دولار، موضحًا أن الكلفة المرتفعة لا ترتبط فقط بالمادة الموجودة داخل الجرعة، وإنما بمنظومة طويلة من البحث العلمي والتجارب السريرية وتصنيع وتنقية العلاج، إلى جانب العدد المحدود للمرضى المستفيدين منه بحكم ندرة المرض.

هل تعني الإبرة شفاءً كاملًا؟

وفي واحدة من أبرز النقاط التي تشغل عائلات المرضى، أوضح شلالفة أن العلاج يمكنه دعم الأعصاب الحركية التي ما تزال حية وقادرة على استعادة جزء من وظائفها، لكنه لا يستطيع إعادة الأعصاب التي تعرضت للتلف الكامل وماتت بالفعل.

وأضاف أن التحسن لا يظهر فور تلقي الجرعة، وإنما تبدأ نتائجه بالظهور تدريجيًا، مشددًا على أن تأخير العلاج يعني استمرار خسارة المزيد من الخلايا العصبية التي لا يمكن استعادتها لاحقًا.

وأكد أن المريض قد يحقق تحسنًا كبيرًا في الحركة والوظائف إذا كانت الأعصاب المسؤولة عنها ما تزال موجودة ولم تصل إلى مرحلة التلف النهائي.

وقال إن كل يوم يمر قبل العلاج قد يصنع فرقًا في وضع المريض والنتيجة النهائية المرجوة.

حالة بسملة أعادت الملف إلى الواجهة

وتطرق شلالفة إلى حملة الطفلة بسملة، التي أثارت تفاعلًا شعبيًا واسعًا لجمع تكلفة العلاج، مشيدًا بكل من ساهم في الحملة وبحالة التضامن المجتمعي التي رافقتها.

لكنه شدد في الوقت ذاته على أن نجاح حملة واحدة لا يحل أصل المشكلة، متسائلًا عن مصير أطفال آخرين يعانون المرض ذاته ولا تحظى حالاتهم بالانتشار الإعلامي أو القدرة على جمع ملايين الدولارات.

وأكد أن هناك عائلات كثيرة تعيش الألم ذاته بينما لا يصل صوتها إلى الجمهور، معتبرًا أن الاعتماد على المبادرات الفردية وحملات التبرع وحدها لا يمكن أن يكون حلًا مستدامًا لمرض تصل كلفة علاجه إلى أرقام تفوق قدرة معظم الأسر.

شلالفة يدعو لإنشاء صندوق وطني ودولي للأمراض النادرة

وفي ضوء هذه التكاليف الباهظة، طرح شلالفة مبادرة لإنشاء صندوق وطني متخصص لعلاج الأمراض النادرة، على أن يعمل تحت إشراف لجان طبية متخصصة وبآلية واضحة ومنظمة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه.

وكشف عن بدء اتصالات ونقاشات مع شخصيات وجهات صحية وتنفيذية داخل الوطن وخارجه بهدف دفع الفكرة نحو إطار مؤسساتي وقانوني، وصولًا إلى إمكانية تطويرها عربيًا ودوليًا.

وأكد أن التعامل مع الأمراض النادرة يجب ألا يبقى مرهونًا بقدرة عائلة على إطلاق حملة، أو بانتشار قصة طفل على مواقع التواصل الاجتماعي، مشددًا على ضرورة وجود قاعدة بيانات وطنية تحدد أعداد الحالات النادرة واحتياجاتها وتكاليف علاجها، بما يساعد على مخاطبة الجهات والمؤسسات الدولية بصورة أكثر تنظيمًا.

الكشف المبكر.. سباق مع الوقت

وختم البروفيسور أنس شلالفة بالتأكيد على أن الاستثمار الحقيقي يجب أن يبدأ قبل الوصول إلى مرحلة جمع ملايين الدولارات للعلاج، من خلال تعزيز الفحوصات الجينية للعائلات المعرضة للخطر، والكشف المبكر لدى حديثي الولادة، وبناء منظومة صحية قادرة على رصد الأمراض الوراثية النادرة منذ بداياتها.

فقضية بسملة لا تتعلق بطفلة واحدة ولا بحقنة واحدة باهظة الثمن؛ بل فتحت الباب أمام ملف أكبر لعائلات قد تواجه المرض ذاته بصمت. وبين علاجٍ يُقاس ثمنه بالملايين ووقتٍ قد يُقاس أثره بالأيام، يبقى السؤال الذي طرحه هذا الملف بقوة: هل ستظل حياة مرضى الأمراض النادرة رهينة حملة تبرعات جديدة في كل مرة، أم تتحول قصة بسملة إلى نقطة انطلاق لمنظومة وطنية تحمي المرضى قبل أن يصبح الوقت نفسه جزءًا من الثمن؟

وقت آخر تعديل: 2026-09-26 12:19:09