النخب المثقفة في غزة: بين البطالة وفقدان المستقبل

2026-01-14
الرابعة نيوز_غزة_ سعدية عبيد : في غزة، لم تعد الشهادات الجامعية أو سنوات الخبرة ضمانًا للأمان الوظيفي. محامٍ يبيع الشاي، أستاذ جامعي يوزّع الماء، وصاحب مشروع صغير يعمل سائقًا يوميًا، مشاهد باتت جزءًا من حياة قطاع أنهكته الحرب المستمرة.
منذ بداية الحرب الأخيرة، فقد عشرات الآلاف وظائفهم بسبب التدمير الشامل للمؤسسات الحكومية والخاصة، والشركات، والمراكز التعليمية، والمنظمات الأهلية. أدى هذا الواقع إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة، وكان النصيب الأكبر من حملة الشهادات العليا والمثقفين، الذين وجدوا أنفسهم بلا وظائف، وبلا بدائل حقيقية لممارسة تخصصاتهم.
في ظل غياب فرص العمل وانعدام الأمان الوظيفي، اضطر الكثيرون إلى مهن مؤقتة وبسيطة، تضمن الحد الأدنى للمعيشة، لكنها بعيدة كل البعد عن خبراتهم ومؤهلاتهم العلمية. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير مهني، بل صدمة اجتماعية ونفسية، حيث شعور الفرد بقيمته وإنجازاته أصبح مرهونًا بالبقاء على قيد الحياة. 
من جهته يؤكد د. رائد حلس، الباحث والمختص في الشأن الاقتصادي، أن الحرب أحدثت "شللًا كليًا" في سوق العمل، حيث أدى تدمير أكثر من 80% من المنشآت الاقتصادية إلى فقدان نحو 200,000 وظيفة. وانتقل الاقتصاد إلى ما وصفه بـ"اقتصاد الكفاف" غير الرسمي، يعتمد على الأعمال المؤقتة والبسطات لتلبية الاحتياجات الأساسية.
وأشار إلى أن البطالة بين حاملي الشهادات العليا سببها توقف القطاعات الأساسية مثل التعليم، التكنولوجيا، البنوك، والمؤسسات الحقوقية والدولية، ما أدى إلى حالة "بطالة هيكلية" قسرية. وأوضح أن توقف المؤسسات يؤدي إلى "صدأ المهارات"، وخسارة الأكاديميين يعادل تجريفًا لرأس المال البشري في القطاع.
كما لفت إلى أن الوظائف الجديدة، مثل بيع المياه أو أعمال السوق الصغيرة، مؤقتة وتفتقر للأمان الوظيفي، ولن تشكل قاعدة للاقتصاد المستدام بعد انتهاء الأزمة. واستنزاف النخب أثر على الأمن الغذائي، حيث انتقلت الطبقة المثقفة إلى مستويات الفقر، وزاد الضغط على المعونات الإغاثية.
ويقترح د. حلس عدة حلول عاجلة، أبرزها:
تقديم مساعدات مالية لدعم النخب التي فقدت وظائفها.
ربط الأكاديميين والمبرمجين بأسواق العمل الدولية عن بُعد.
تفعيل التعليم الافتراضي عبر الجامعات الإلكترونية.
منح قروض ميسرة لدعم المشاريع الصغيرة المبتكرة، خصوصًا في مجالات تحلية المياه والطاقة المتجددة. 
بطالة النخب والمثقفين في غزة ليست أزمة عابرة، بل تهديد مباشر لمستقبل المجتمع. استنزاف الكفاءات يضعف قدرة القطاع على التعافي وإعادة البناء، ويزيد خطر فقدان جيل كامل من الخبراء.
بينما يحاول الشباب التكيف مع واقع قاسٍ، تظل الحاجة ملحّة إلى دعم عاجل يحمي رأس المال البشري، ويضمن فرص عمل حقيقية، تحافظ على كرامة الإنسان، وتعيد الاعتبار للعقول التي باتت اليوم تعمل في الهامش بدل أن تكون في صدارة بناء المستقبل.

وقت آخر تعديل: 2026-01-14 11:57:16